وعليه فجعل المسجد الحرام الحرم قبلة كما هو منطوق بعض الروايات « 1 » ، لا لأجل أنفسهما ، بل لكونهما مشتملين على الكعبة ، وكون استقبالهما هو استقبال الكعبة . كما أنّ الظاهر أن لا موضوعية للشرط الوارد في الآية الكريمة ، كما هو المتعارف في هكذا تعبير ، فلا يستفاد إلّااستقبال المسجد ، واستقباله إنّما هو لاستقبال البيت الحرام ، فالجميع مأمورون بالتوجّه نحو الكعبة حيثما كانوا « 2 » .
إلّا أنّه قد يقال : إنّ ما ذُكر من روايات تحويل الوجه نحو الكعبة ليس من اللازم أن يكون ذلك إلى عينها ، بل قد يكون إلى جهتها ، أو المسجد ، أو الحرم المكّي ، وما ورد من التحويل نحو الكعبة الشريفة قد يكون لاستلزامه التحويل إليهما ، فتمّ التعبير بأشرف الأجزاء ، وليس هذا من باب الأمر أو النهي المثبت لما هو مدلول اللفظ ، بل هو إخبار عنه .
هذا ، ومذهب فقهاء أهل السنّة أيضاً أنّ قبلة من كان في المسجد الحرام هي الكعبة الشريفة وكذلك من كان في غير المسجد ، واختلفوا فمنهم من قال : يكلّف المرء بالتوجّه إلى عين الكعبة ، ومنهم من قال : يكلّف بالتوجّه نحو جهتها .
وتفصيله : أنّه لا خلاف بينهم أنّ من كان معايناً الكعبة الشريفة عليه إصابة عينها في الصلاة بمقابلة ذات بناء الكعبة يقيناً ، ولا يكفي الاجتهاد ولا استقبال جهتها ؛ لأنّ القدرة على اليقين والعين تمنع من الاجتهاد والجهة المعرّضين للخطأ ، كما أنّ من انحرف عن مقابلة شيء لم يتوجّه نحوه « 3 » .
هامش
( 1 ) كمرسلة الفقيه والتهذيب عن الصادق عليه السلام ، ورواية بشر بن جعفر الجعفي . راجع : الفقيه 1 : 272 ، التهذيب 2 : 44 ، وسائل الشيعة 4 : 304 .
( 2 ) انظر الخلل في الصلاة للإمام الخميني : 79 - 83 .
( 3 ) بدائع الصنائع 1 : 548 و 554 ، المغني 1 : 456 ، المجموع 3 : 192 ، نهاية المحتاج 1 : 424 - 425 ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 : 358 ، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح : 115 .