وإنّ المشي إلى البلد الحرام أو إلى موضع منه يقصد منه في الشرع المشي إليه في حجّ أو عمرة ، فيحمل النذر على المعهود الشرعي ، ويلغى ما يخالفه « 1 » .
الثاني : ما ذهب إليه الحنفية ، وهو : أنّ من نذر المشي إلى الصفا والمروة أو مسجد الخيف أو غيره من المساجد التي تقع في الحرم ، فإنّه لا يصحّ نذره بلا خلاف في المذهب ، وإن ذكر الكعبة أو مكّة أو بيت اللَّه تعالى صحّ نذره ولزمه حجّة أو عمرة ماشياً ، وإن ذكر الحرم أو المسجد الحرام لم يصحّ نذره ولم يلزمه شيء عند أبي حنيفة ، ولزمه حجّ أو عمرة ماشياً عند أبي يوسف ومحمّد بن الحسن « 2 » .
واستدلّوا على صحّة نذر المشي إلى الكعبة أو مكّة أو بيت اللَّه سبحانه ولزوم مشي الناذر إلى ذلك في حجّ أو عمرة بما سبق الاستدلال به لمذهبهم في نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام .
واستدلّ لما ذهب إليه إمام الحنفية من عدم صحّة النذر بالمشي إلى المسجد الحرام أو الحرم : بأنّ مقتضى القياس أن لا يجب شيء بإيجاب المشي المضاف إلى مكان ما ؛ لأنّ المشي ليس بقربة مقصودة ؛ إذ هو مجرّد انتقال من مكان إلى مكان ، فليس في نفسه قربة ، ولهذا لا يجب بسائر الألفاظ ، إلّاأنّا أوجبنا على الناذر الإحرام في لفظ المشي إلى بيت اللَّه أو الكعبة أو مكّة للعرف ؛ إذ جرى العرف لدى الناس على استعمال هذه الألفاظ كناية عن التزام الإحرام ، ولم يتعارفوا على استعمال غيرها من الألفاظ ، فيقال : مشى إلى مكّة والكعبة وبيت اللَّه ، ولا يقال :
مشى إلى الحرم أو المسجد الحرام ، والكناية يتبع فيها عين اللفظ لا المعنى ، بخلاف المجاز فإنّه يراعى فيه المعنى اللازم المشهور في محلّ الحقيقة ؛ لأنّ الكناية ثابتة
هامش
( 1 ) كشّاف القناع 6 : 282 .
( 2 ) بدائع الصنائع 6 : 339 .