وإذا لم تدخل مكّة في المفضّل عليه احتمل أن تكون أفضل من المدينة ، فتسقط الحجّة ، مع أنّه لم يصحّ من جهة النقل ، ولو صحّ فهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه ، كما يقال : بلد طيّب ، أي : هواها ، والأرض المقدّسة ، أي : قدّس من فيها أو من دخلها من الأنبياء « صلوات اللَّه وسلامه عليهم » ؛ لأنّهم مقدّسون من الذنوب والخطايا ، وكذلك الوادي المقدّس ، أي : قدّس موسى عليه السلام فيه والملائكة الحالّون فيه ، وكذلك وصفه « عليه الصلاة والسلام » البقعة بالمحبّة ، وهو وصف لها بما جعله اللَّه تعالى فيها ممّا يحبّه اللَّه تعالى ورسوله ، وهي إقامته صلى الله عليه وآله بها وإرشاد الخلق إلى الحقّ ، وقد اقتضى ذلك التبليغ وتلك القربات ، فبطل الوصف الموجب للتفضيل على هذا التقدير » « 1 » .
وردّت الرواية الثالثة : بأنّ الصبر على اللأواء دليل على الفضل ، والكلام في الأفضل ، كما أنّ الحديث بما أنّه مطلق بحسب الزمان ، فيُحمل على زمانه صلى الله عليه وآله والكون معه لنصرته . ويؤيّده خروج أكابر الصحابة إلى البلاد الأُخرى ، كأمير المؤمنين علي عليه السلام « 2 » .
كما ردّت الرواية الرابعة : بأنّ تردّد المسلمين إلى المدينة إنّما هو بسبب الوجود المبارك لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله حال حياته ، فلا عموم للحديث في الأزمان ، ولا بقاء لهذه الوظيفة بعد موته صلى الله عليه وآله « 3 » .
وردّت الرواية الخامسة بالردّ المتقدّم آنفاً ، خاصّة وأنّ أكثر الصحابة قد خرجوا بعد موته صلى الله عليه وآله من المدينة « 4 » .
هامش
( 1 ) الفروق للقرافي 2 : 230 - 231 .
( 2 ) نضد القواعد الفقهيّة : 257 - 258 .
( 3 ) الفروق للقرافي 2 : 231 .
( 4 ) المصدر السابق 2 : 231 .