كما أنّ في كلتا الآيتين طرحت - بدايةً - مسألة عبادة غير اللَّه ، وأضحت موضعاً للتقريع ، ثم نقل كلام المشركين بقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
، وواضح أنّ ما يوجب الشرك هو المقطع الأول من الآية ، وأنّ عمل المشركين يعدّ شركاً في العبادة .
والمسلم لم يعبد الشفيع ، ومع قطع النظر عن ارتباط هذا الشفيع باللَّه تعالى فهو يعتقد أنّه لا يملك لنفسه نفعاً ولاضرّاً ، لكنّه يعدّه مخلوقاً كاملًا ، وإنساناً سامٍ ومقرَّباً من الذات الإلهية المقدّسة ، كأن يكون نبيّاً مرسلًا ؛ ولذا لا يعتبر هذا العمل شركاً ، ولا صلة له أبداً بعمل المشركين ، ولا يمكن مقارنته بعملهم ؛ لأنّهم يؤمنون بأنّ الشفيع ربّ وإله ، بينما المسلم لا يؤمن بذلك .
فالإنسان تارةً يسجد للصنم ويقول : هذا إلهي وربّي ، أو يتّخذه وليّاً طبقاً لقوله تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
« 1 » فيعبده ، ويذبح له ، ويذكر اسمه عليه أثناء الذبح ، يصلّي ويحجّ له ، بل ويقوم بمختلف الأعمال من أجله ، ويقول : هذا الصنم شفيعي ؛ فهذا الشخص مشرك قطعاً ، وشركه من نوع الشرك في العبادة . وتارةً يؤمن الشخص أنّ النبي صلى الله عليه وآله إنسان ومخلوق من مخلوقات اللَّه ، لكنّه يقول فقط : بما أنّ اللَّه تعالى أعطاه الشفاعة فأنا أطلب منه أن يشفع لي ، فهل ثمة مقارنة بين هذين الاثنين ؟ وهل يستويان مثلًا ؟
هامش
( 1 ) . الزمر : 3 .