فهل كان أولئك يعتقدون أنّ هذه الأحجار والأخشاب والتماثيل المصنوعة بأيديهم وسيلة لقربهم إلى اللَّه تعالى ؟ إنّ الأحجار والأخشاب لاتمتلك شعوراً ولا أحاسيس ، فكيف يتسنّى لها أن تصبح واسطةً في قربهم إلى اللَّه ، وتغدو شفيعةً لهم ؟
والواقع أنّه لو مددنا النظر إلى أصل الوثنية وعقائد المشركين ، لاتّضح أنّهم لايتقرّبون بالأحجار والأوثان التي يصنعونها بأيديهم ، بل هم يتقرّبون إلى أرباب تلك الأصنام التي يزعمون أنّ كلّ واحدٍ منهم مدبّر لجزءٍ من عالم الوجود ، ويؤمنون بأنّ الإنسان لا يستطيع التقرّب إلى الذات الإلهية ؛ فأين البشر المادّيون من إله الكون العظيم ؟ فلابدّ لنا من التقرّب إليه بأرباب الأنواع ؛ ذلك أنّه تعالى فوّض إليهم زمام تدبير الخلق ، وبما أنّنا لا نراهم ، فنصنع لهم تماثيل تبرز صفاتهم ، فمن يُعبد - في الحقيقة - هو أُولئك الأرباب ، لا هذه الأحجار والأخشاب ؛ لكن ربّما يلتبس الأمر على العوام فيعبدوا الأصنام بدل الأرباب .
هذا أصل وأساس الشرك والوثنية ، لكن بمرور الزمن وتعاقب الأجيال أخذت العبادة طابع الاختصاص بالتماثيل ، ونسبت مسألة الشفاعة والوساطة إلى الأصنام نفسها ، وطوى النسيان الأرواح والملائكة والجنّ من أرباب الأنواع شيئاً فشيئاً ، خاصةً لدى عوام الناس ؛ لذا نسب القرآن الكريم على لسان المشركين العبادة والشفاعة - أيضاً - إلى الأصنام .
لنعود إلى نصّ الآيتين الشريفتين ، قال تعالى في الآية الأُولى :
الدعاء والتوسل بالاولياء مطلوب أم ممنوع ؟ — صفحة 88
مساهمون: السيد حسن الطاهري الخرم آبادي
ص٨٨