أولًا : أنّ هذه الآيات نزلت في المشركين المعتقدين بأُلوهية وربوبية الأصنام والأشياء ، الذاهبين إلى أنّها المديرة والمدّبرة للكون ، القائلين بأنّ اللَّه تعالى قد فوّض جميع الأمور والأفعال إليها ، وأنّ لها مطلق التأثير والاستقلال في هذا العالم ، مع التفاوت الموجود في عقائدهم ؛ ففريق منهم كان يعبد الأرواح ، وآخر يعبد الملائكة ، وثالث يعبد الأصنام . . . ولاتمت هذه الآيات بصلة - من قريب أو بعيد - إلى عمل المسلمين ؛ ذلك أنّهم لا يعتقدون بأُلوهية الأنبياء والأولياء ، بل يعتبرونهم عباد اللَّه المخلَصين ، وإذا ما طلبوا منهم قضاء حاجةٍ فإنّما يطلبون الدعاء والشفاعة الذي يرجع - في الحقيقة - إلى الطلب من اللَّه سبحانه ، ولا أحد من المسلمين يذهب إلى استقلالهم إزاء اللَّه ، فهذه مقارنة غير صحيحة ، وبعيدة غاية البعد عن الإنصاف .
ثانياً : ليس المراد من الدعاء في هذه الآيات صرف النداء ، بل هو دعاء خاصّ بمعنى العبادة ؛ أي أنّ النهي والتحريم في هذه الآيات ليس موجّهاً نحو طلب الحوائج من غير اللَّه ، بل المراد تحريم عبادة غير اللَّه سبحانه ، بدليل صدر بعض تلك الآيات ، نحو : قوله تعالى :
« وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً »
. وقوله :
« ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ »
« 1 »
.
هامش
( 1 ) . غافر : 60 .