وإلّا كان التجرّد مانعاً لزوال الذات ، حتّى يمتنع عدم المجردات .
فللعالم من ذاته أن ينعدم ، وليس فيه مانع من ذلك إلّا ما كان من جهة الفاعل ، كإرادته أن لا ينعدم - مثلًا - عند أصحابنا ، وما ينحو نحوه عند غيرهم .
وقد بينّ البعض ما هو مانع من فناء بعض أجزاء العالم من قبل الفاعل ؛ كالحكماء القائلين بامتناع فناء العقول ، وما يحذوها لتمام قربها من مبدئها ، فهي مستديمة الفيض منه ، فهي مشرقة الوجود به دائماً ، فلها الأبد بعد الأزل ، والبعض لم يبيّن مانعاً عملياً وإن استند في المنع لمعارضة أمر سمعي ، كالكرامية « 1 » القائلين بعدم القابلية للعدم ، وإلّا لما صحّ الحشر الجسماني ؛ لاستحالة إعادة المعدوم بعينه ، وهذا منع يختصّ ببعض العالم الذي قد « جاءت الشرائع بأنّه سيحشر » .
والبعض لم يبيّن المانع رأساً ، ولم يمنع لعدم الوقوف على المانع ، وهو أصحابنا . ثم اختلفوا بعد اتّفاقهم على الجواز بدون المانع : هل يقع الفناء أم لا ؟ فذهب جمهور أصحابنا إلى أنّه يقع ، مستدلّين بدليل سمعي ، وهو قوله تعالى : ( كلّ شيء هالك إلّا وجهه ) . . » « 2 » « 3 »
وقال : « قد برهن أهل التحقيق من الصوفية على أن لا تعدّد في
هامش
( 1 ) - أتباع محمد بن كرام السجستاني 225 ه - / 869 م ، المتكلّم ، سمع الحديث والتفسير ، وانتقل إلى بيت المقدس وسكنها ، عرف بصاحب المقالةالمشهورة في التشبيه ، وهي انّه سبحانه جسم لا كالأجسام ! توفي في الشام بعد أن سجن بنيسابور ثمانية أعوام . ( ميزان الاعتدال ، ج 4 ص 21 ، تاريخ الاسلام ، ج 18 ص 56 .
( 2 ) - سورة القصص ، الآية : 88 .
( 3 ) - التعليقات ص 260 - 261 .