الحسنة من خيار الصحابة في صدر الإسلام ، فقد كانوا على كثرة ما بينهم من الاختلاف في القضايا الفرعية والمسائل العلمية على أقصى ما يرام من الإخاء والصفاء ، ودفاع بعضهم عن بعض وحماية بعضهم لبعض ، كأنّ الإسلام جسد وهم أعضاء ذلك الجسد ، تجمعهم روح واحدة ، روح المبدأ المقدّس وتضحية كلّ عزيز في سبيله .
أمّا من هو المسؤول عن إدارة الشؤون الأخلاقية في الأواسط الإسلامية فالجواب الصحيح عن ذلك : « كلّكم راع ، وكلّكم مسؤول » ، كلّ على حسب شأنه وبمقدار قابليّته ، وكلّ ذي شعور هو أعرف بنفسه وبقدر ما في وسعه ، والحقيقة أنّ الجميع مكلّف ، والكلّ مقصّر ، يتطلّب لنفسه العلل والمعاذير ، والحقائق لا تخفى والمعاذير لا تنفع ، يوم تبلى السرائر ، فما له من قوّة ولا ناصر .
ومن هذا الباب يتطرّق الجواب عن السؤال الأخير ، ولا يمكن مدّ الباع وكشف القناع أكثر من هذا ؛ ( فإنّ في الفم ماء ) ، ( وحفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ) « 1 » ، ( إنّ اللبيب من الإشارة يفهم ) .
يقولون حدّثنا فأنت أمينها * وما أنا إن حدّثتهم بأمين « 2 » » « 3 » .
هامش
( 1 ) قال الشاعر :قل للّذي يدّعي في العلم فلسفة * حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءٌراجع ديوان أبي نؤاس : 17 .
( 2 ) حكي هذا البيت في مشارق الأنوار : 23 .
( 3 ) جنّة المأوى : 316 - 317 .