على دوائر الظواهر والمظاهر ، دون الحقائق والجواهر ، ندور على القشور ، ولا نصل إلى اللبّ ، على العكس ممّا كان عليه أسلافنا ، أهل الجدّ والنشاط ، أهل الصدق في العمل قبل القول ، وفي العزائم قبل الحديث ، تلك السجايا الجبّارة التي أخذها عنهم الأغيار فسبقونا وكان السبق لنا ، وكانت لنا الدائرة عليهم ، فأصبحت علينا ، تلك
( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )
« 1 » .
نحن نحسب أنّنا إذا قلنا : قد اتّحدنا واتّفقنا ، وملأنا بتلك الكلمات لهواتنا وأشداقنا ، وشحنّا بها صحفنا وأوراقنا ، نحسب بهذا ومثله يحصل الغرض المهمّ من الاتّحاد ، ونكون كأُمّة من الأُمم الحيّة التي نالت بوحدتها عزّها وشرفها ، وأخذت المستوى الذي يحقّ لها ، ولذلك تجدنا لا نزداد إلّاهبوطاً ، ولا تنال مساعينا إلّا إخفاقاً وحبوطاً ، لا تجد لأقوالنا وأعمالنا أثراً ، إلّاأنّنا نأنس بها ساعة سماعنا لها ، وما هي بعد ذلك إلّاكسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً ، حتّى إذا جاءه لم يجده شيئاً !
ويستحيل لو بقي المسلمون على هذه الحال أن تقوم لهم قائمة ، أو تجتمع لهم كلمة ، أو تثبت لهم في المجتمع البشري دعامة ولو ملأوا الصحف والطوامير ، وشحنوا أرجاء الأرض وآفاق السماء بألفاظ الاتّحاد رالوحدة ، وكلّ ما يشتقّ منها ويرادفها ، بل ولو صاغوا سبائك الخطب منها بأساليب البلاغة ، ونظموا فيها عقود جواهر الإبداع والبراعة ، كلّ ذلك لا يجدي إذا لم يندفعوا إلى العمل الجدّي والحركة الجوهرية ، ويحافظوا على أخلاقهم وملكاتهم ، ويكبحوا جماح أهوائهم ونفوسهم بإرسال العقل والرواية والحنكة والحكمة ، فيجد كلّ مسلم أنّ مصلحة أخيه المسلم هي مصلحة نفسه ، فيسعى لها كما يسعى لمصالح ذاته ، وذلك حيث ينزع الغلّ من صدره ، والحقد من قلبه ، وينظر كلّ من المسلمين إلى الآخر - مهما كان - نظر الإخاء لا نظر العداء ، وبعين الرضا لا بعين السخط ، وبلحاظ الرحمة لا الغضب والنقمة .
ذاك حيث يحسّ بوجدانه ويجد بضرورة حسّه أنّ عزه بعزّ إخوانه ، وقوّته
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب 33 : 62 .