ولا توظيف ، حتّى أصبح لها في النجف - وهي تلك البلدة الإسلامية المقدّسة الدينية المحضة - أوكار واسعة ، فيها تشكيلات وأنظمة ، يقوم بها شباب نشيط متحمّس .
ونزيدك إيضاحاً أنّ المساعي التي تبذلها بريطانيا للاستيلاء على العراق واستغلال خيراته وبركاته ليس أوّلها في بدء الحرب العالمية الأُولى ، بل قبل ذلك بمائة سنة أو أكثر أيّام حكومة الأتراك ، فقد نشأنا قبل سبعين سنة والسلطان يومئذٍ عبد الحميد « 1 » و ( الياليوز خانة ) وذيولها من أعوانها العراقيّين الذين استعبدتهم ( الروپيات ) ينشرون أكبر دعاية لبريطانيا في العراق ، واجتهدت في تحبيب الإنجليز ، وتشبّعت الأذهان ، حتّى إنّ رجل الشارع صار يعتقد أنّ الإنجليز إذا حكموا العراق يجعلوها جنّة من جنّات الفردوس ! ولمّا اشتعلت نار الحرب الأُولى وهجم الإنجليز ببواخرهم من الفاو على البصرة كانت وجوه العراقيّين وظواهر الأتراك وقلوبهم مع الإنجليز ، وفي الحقيقة إنّما فتح العراق للإنجليز هم أهالي العراق وعشائره لا مناورة الإنجليز وبواخره ، وخطب كبّار قوّادهم بادئ بدء قائلين للملأ العراقي : إنّنا دخلنا محرّرين لا فاتحين ، ومعمّرين لا مستعمرين ! فانتظرنا وصبرنا حتّى نفذ الصبر ، فلم يجد العراقيّون إلّاالانتقال من سيّئ إلى أسوأ ، أمّا العمران فالصحاري تلك الصحاري والقفار تلك الفقار !
أرأيت - يا معالي السفير - الأراضي الواسعة التي قطعتها بسيارتك بين كربلاء والنجف ، أرأيتها كيف وهي أرض طيّبة صالحة للزرع والغرس والعمران ، ولكنّها اليوم شاحبة قفراء لا ماء ولا كلأ ، وشطّ الفرات إلى جنبها يبعد عنها أقلّ من ميلين ؟ ! فلو أنّكم وجّهتم نظركم حينذاك لتعميرها بنصب المضخّات لها أو شقّ الجداول فيها
هامش
( 1 ) عبد الحميد بن عبد المجيد بن محمود : سلطان عثماني . تولّى مقاليد الأُمور سنة 1876 م ، وقامت في زمنه الحروب الكثيرة ، ثمّ عزل عن السلطة ، وولّي مكانه السلطان رشاد باسم السلطان محمّد الخامس سنة 1909 م . ( تاريخ الدولة العثمانية : 587 و 708 ) .