عزائمه ، كما ينفض الأسد غبرات الحصاء عن لبده « 1 » ، ولم يخامره الأسف قط في ذلك الموقف المرهوب إلّا من أجل أحبّائه وأعزائه الذين يراهم ويرونه ويسمع صيحتهم ويسمعونه .
فقال وهو ينظر إلى الأخبية ومن فيها : « للّه درّ ابن عبّاس فيما أشار به عليّ ! » « 2 » .
وجلس ليلة القتال في خيمته يعالج سهاما له بين يديه ويرتجز - وأمامه ابنه العليل - :
يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب وماجد قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل
والأمر في ذاك إلى الجليل * وكلّ حيّ سالك سبيلي
فردّ ابنه عبرته لكيلا يزيده ألما على ألمه .
وسمعته أخته زينب ، فلم تقو على حنانها ووجلها ، وخرجت إليه من خبائها حاسرة تنادي : « وا ثكلاه ! اليوم مات جدّي رسول اللّه وأمّي فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن ، فليت الموت أعدمني الحياة . .
يا حسيناه ! يا بقيّة الماضين وثمالة الباقين ! » .
فبكى لبكائها ، ولم ينثن ذرّة عن عزمه الذي بات عليه ، وقال لها :
- « يا أخت ! لو ترك القطا لنام » « 3 » . . ولم يزل يناشدها ويعزّيها ، وهو
هامش
( 1 ) لبدة الأسد : الزبرة من الشعر المتراكم بين كتفيه . ( جمهرة اللغة 1 : 301 ) .
( 2 ) الكامل في التاريخ 3 : 287 ، البداية والنهاية 8 : 179 .
( 3 ) هذا مثل يضرب للرجل يستثار لشيء فيثور .
راجع : جمهرة الأمثال 2 : 194 - 195 و 432 ، مجمع الأمثال 2 : 161 .