- « يا أبه ! . . فإذن لا نبالي « 1 » ! » .
وهكذا كانوا جميعا لا يبالون ما يلقون ، ما علموا أنّهم قائمون بالحقّ وعليه يموتون .
وأراد الحسين - وقد علم أنّ التسليم لا يكون - أن يبقى للموت وحده وألّا يعرّض له أحدا من صحبه .
فجمعهم مرّة بعد مرّة وهو يقول لهم في كلّ مرّة : « لقد بررتم وعاونتم والقوم لا يريدون غيري ، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا . . فإذا جنّكم الليل فتفرّقوا في سواده وانجوا بأنفسكم » « 2 » .
فكأنّما كان قد أراد لهم الهلاك ولم يرد النجاة ، وفزعوا من رجائهم إيّاه كما يفزع غيرهم من مطالبتهم بالثبات والبقاء .
وقالوا له - كأنّهم يتكلّمون بلسان واحد - : « معاذ اللّه والشهر الحرام . . ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم ؟ أنقول لهم إنّا تركنا سيّدنا وابن سيّدنا وعمادنا ، تركناه غرضا للنبل ودريئة للرماح وجزرا للسباع ، وفررنا عنه رغبة في الحياة ؟ ! معاذ اللّه . . بل نحيا بحياتك ونموت معك » .
قالوا له : « نموت معك ولك رأيك » . . ولم يخطر لأحد منهم أن يزيّن له العدول عن رأيه إيثارا لنجاتهم ونجاته . ولو خادعوا أنفسهم قليلا لزيّنوا له التسليم وسمّوه نصيحة مخلصين يريدون له الحياة ، ولكنّهم لم يخادعوا
هامش
( 1 ) تاريخ أبي مخنف 1 : 446 ، إعلام الورى 1 : 450 ، الكامل في التاريخ 3 : 282 ، نهضة الحسين 115 - 116 .
( 2 ) الإرشاد 2 : 91 - 92 ، إعلام الورى 1 : 455 - 456 ، البداية والنهاية 8 : 176 - 177 .