عداوة المرء ما هو جاهله بعقله ومعرض عنه بشعوره ؛ لأنّهم يحاربون الحقّ وهم يعلمون .
ومن ثمّ كانوا في موقفهم ذاك ظلاما مطبقا ، ليس فيه من شعور الواجب بصيص « 1 » واحد من عالم النور والفداء . . فكانوا حقّا في يوم كربلاء قوّة من عالم الظلام تكافح قوّة من عالم النور .
أقربهم إلى العذر يومئذ من اعتذر بالفرق والرهبة ؛ لأنّهم أكرهوه بالسيف على غير ما يريد . . فكان الجبن أشرف ما فيهم من خصال السوء .
وكان منهم أناس كتبوا إلى الحسين يستدعونه إلى الكوفة ليبايعوه على حرب يزيد ، فلمّا ندبهم عمر بن سعد للقائه وسؤاله أحجموا عمّا ندبهم له واستعفوه ؛ لأنّ جوابهم إن سألوه في شأن مجيئه إليهم : إنّني جئتكم ملبّيا ما دعوتم إليه !
وركب أناسا منهم الفزع الدائم بقيّة حياتهم ؛ لأنّهم عرفوا الإثم فيما اقترفوه عرفانا لا تسعهم المغالطة فيه ، ومن هؤلاء رجل من بني أبان بن دارم كان يقول :
- « قتلت شابا أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود . . فما نمت ليلة منذ قتلته إلّا أتاني ، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها ، فأصبح فما يبقى أحد في الحي إلّا سمع صياحي » « 2 » .
* * *
هامش
( 1 ) البصيص : البريق واللمعان . ( صحاح اللغة 3 : 1030 ) .
( 2 ) قارن : مقاتل الطالبيين 79 ، تذكرة الخواص 282 .