وجوابي عن هذا ان الفرق كبير جدا بين نيابة الإمام عن النبي وبين نيابة المجتهد عن الإمام ، فان الأولى تشمل كل ما للنبي من سلطات ، حتى الأولية بالناس من أنفسهم ، وليس للمجتهد هذه الولاية ولا ما يقرب منها عند الشيعة وانما تنحصر وظيفته بالقضاء والافتاء ، ورعاية من لا ولي له ، ومن هنا كانت نيابته بالوكالة أشبه ، ومع ذلك فقد تشدد الإمامية في شروط المجتهد ، ورووا عن الامام أنه قال فيما قال :
( أمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه )
فصيانة النفس ، والمحافظة على الدين ، ومخالفة الهوى شرط أساسي لتنفيذ الحكم والعمل بالفتوى . . ولو أن رجلا بلغ من العلم ما بلغ ، ولم يكن على هذا الوصف لا ينفذ له قضاء ، ولا تسمع له فتوى ولا يؤتمن على فتيل لقاصر أو غائب .
وقد وجد في الشيعة ، وللّه الحمد في كل عصر رجال يتمتعون بالخلال التي ذكرها الإمام ، ولكن - من سخرية الأقدار ، أو سخطها - ان يتفشى في هذا العصر وباء لا أدري : متى نقضي عليه ، أو يقضي علينا ؟ . . وهو تطفل أغيلمة بنزوهم على الكراسي والأعواد ، وجلوسهم للدرس والافتاء والقضاء ، حتى تخيلنا ، أو كدنا نتخيل انهم القرود الذين رآهم النبي في منامه يصعدون منبره ، وينزلون ، أو أنهم المعنيون بقوله ( ص ) : « هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء » وقد تجلى سفههم بتطاولهم على ما ليسوا له بأهل ، وظهر جهلهم للعيان في دسهم ونيلهم من كرامة العلماء بالتصريح تارة ،
عقليات إسلامية — صفحة 483
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٤٨٣