الواقع وفي اللوح المحفوظ ، ولذا يقول : هذا هو حكم اللّه بالذات ، ولا يقول : هكذا رأيت وفهمت ، ولذا استحال في حقه العدول ، لأن العدول يتفرع عن الرأي ، ولا رأي ، بل وحي يوحى . . وبديهة ان حكاية الحكم عن اللّه بمعنى الوحي تستتبع عصمة الحاكي له وتلازمه ملازمة الظل للشاخص ، بحيث إذا انتفت ذهبت معها النبوة لا محالة ، بل إن العصمة هي النبوة ، والنبوة هي العصمة ، لأن عدم عصمة النبي معناه عدم عصمة الوحي وعليه فلا يكون القرآن قرآنا ، ولا جبريل أمينا ، ولا محمد نبيا تعالى اللّه عما يقول الجاهلون .
ثم هل لمثلي ومثلك ممن يجوز عليه الخطأ والزلل أن يكون مؤهلا للرسالة والتبليغ عن اللّه ؟ اذن أين الفرق بين التابع والمتبوع ؟ ولماذا وجب على الناس التصديق والقبول من النبي ؟ وما هو السر لاختياره رسولا ، واتخاذه خليلا وحبيبا وكليما دون سواه من الخلق ، إذا لم يكن فوق الشبهات والهفوات ؟
وأعتقد ان الذين اعترفوا بالنبوة ، وأنكروا العصمة قد خلطوا بين الذات والموضوع ، بين حكاية النبي للوحي ، ورأي المجتهد ، وظنوا ان النبي يعبر عن رأيه وتفهمه ، ولو فرقوا بينهما لقالوا بالعصمة لا محالة ، والذي يدلنا على خلطهم هذا انهم عقدوا في الأصول فصلا خاصا لاجتهاد النبي ، كما في المستصفى للغزالي وغيره ، فلقد جاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب :
« اختلفوا في النبي : هل يجوز له الاجتهاد فيما لا نص فيه » ؟
واختار الغزالي الجواز ، وقاس النبي بغيره من المجتهدين ، ومما قال :
« كما دل الدليل على تحريم مخالفه الإمام الأعظم والحاكم « 1 » ، لأن صلاح
هامش
( 1 ) جاء في كتاب الأحكام السلطانية للفراء ، وكتاب المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ، وغيرهما ان الحاكم الفاسق تجب اطاعته ، وتحرم مخالفته عند أكثر من واحد من أئمة السنة ، وعلمائهم -