في شيء إلا في ظنه وحسبانه ، ومن الجائز أيضا أن يكون هناك دليل على العكس ولكنه خفي عليه وعجز عن الوصول إليه ، ومن هنا يسوغ لعالم آخر أن يقف له ويناقشه في فهمه ومعرفته ، وان كان دونه فضلا وعلما ، كما له أن يعدل عن رأيه إلى ضده ، أو يقلّم فيه ويطعم ، إذا استبان لديه الحق ، وهو معذور حتى لو عدل من الصواب إلى الخطأ ، ما دام السبيل إلى المعرفة منحصرا فيما استخرجه من الدليل الذي استبان له بعد افراغ الوسع والجهد في البحث والتنقيب .
أما تقليد الجاهل لهذا المجتهد الذي يجوز عليه الخطأ فلأن كل انسان بالغ عاقل عليه أن يطيع ويمتثل أوامر اللّه ونواهيه دفعا للعقاب والضرر المعلوم ، لو خالف وعصى ، ولا طريق للجاهل إلى الطاعة والامتثال بالاحتياط أو التقليد والأول عسير أو متعذر ، فتعين الثاني . ولو أبحنا للجاهل أن يخالف العالم العادل لكان معنى هذا اننا نبيح له أن يخالف أحكام اللّه أو يؤديها مشوهة على غير وجهها ، وبدون علم بوظائفها وأركانها وأوقاتها .
هذا هو شأن العالم أما شأن النبي فعلى العكس من ذلك ، لأنه ينقل الحكم عن جبريل عن اللّه ، لا عن أبي هريرة ، ولا يرجع إلى كتاب لأن الكتب تبحث عن سنته ، ولا إلى أستاذ ، لأن قوله الفصل والحجة لجميع الأساتذة .
وبكلمة ان حكم المجتهد ذاتي لا موضوعي ، أي أن للذات و « الأنا » تأثير فيه ، ولذا يقول : أنا رأيت وفهمت أن هذا حكم اللّه في حقي ، وليس من شك أن « الأنا » تخطىء وتصيب ، بل أن جواز الخطأ عليها أثر من آثارها .
ولازم من لوازمها التي لا تنفك .
أما قول النبي فموضوعي صرف لا أثر فيه للذات سوى التعبير عما في
عقليات إسلامية — صفحة 479
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٤٧٩