تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقليات إسلامية — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
اما الاسلام وسائر الأديان السماوية فتعترف بوجود حقائق ثلاث : اللّه والعقل والمادة ، وانها متأصلة في الوجود سوى ان الأخيرين يستمدان وجودهما من اللّه سبحانه ، فأراه الامام وأقواله ترتكز على هذا الأصل ، وهو يتنافى مع مذهب الماديين والمثاليين ، والمذهب الاثنيني الذي يعترف بتأصل الروح والمادة ، وينكر وجود اللّه عز وجل . إذا تمهد هذا تبين معنا ان الماديين يقدسون العمل على أساس انه مادة ، ولا شيء في الوجود غيرها ، وان قيمة الانسان بما ينتج من مأكل ومسكن وملبس ، وإذا قال الإمام : قيمة كل امرئ ما يحسن فقد قال أيضا : لا شيء إلا ما شاء اللّه ، وإذا قدس الامام العمل المثمر الذي يعود على الانسان بالنفع ، فإنما يقدسه مع الايمان بوجود كائن لا تدركه الحواس ، لأنه فوق المادة ، وهو أصل الموجودات ، أو قل : ان الامام ينهى عن اللغو والكلام والكلام لأغراض موهومة لا تمت إلى الحياة بسبب - مثلا - يطلب منك الامام ان تؤمن بوجود الروح لأنها حقيقة ثابتة متأصلة في الوجود ، وفي نفس الوقت يطلب منك ان تقف عند هذا الايمان ، ولا تتجاوزه إلى البحث والكلام عن كنهها وحقيقتها ، وانها « جوهر بسيط » أو مؤلف من ذرات لطيفة شفافة ، لان بحثك هذا تماما كبحث بعض المؤمنين ان الكبش الذي فدى به إبراهيم الخليل ولده إسماعيل كان يزن مئة كيلو غرام أو أكثر وان سفينة نوح كان طولها ثمانين ذراعا أو دون ذلك ، حيث لا جدوى من الكلام عن وزن الكبش وطول السفينة . وبعبارة أخرى ان الماديين يحصرون الكائن بما يحس ، ويعتبرون الكلام عما عداه كلاما فارغا لا يدل على معنى موجود ، والامام لا يحصر الكائن بالمحسوس ، ولكنه يرى أن على العاقل ان يحصر تفكيره وكلامه بما يعود