تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقليات إسلامية — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١

الامام والماديون :

ان قلت : ان هذي هي الفلسفة المادية بعينها التي تجعل القيمة للعمل وحده ، وعلى أساسها يوفق الماديون بين الانتاج والتوزيع ، وينظمون العلاقات الاجتماعية بين الناس . وكلنا يعلم أن الدين يتبرأ من الماديين ويرفض فلسفتهم . قلت أجل ، ان الدين ينكر فلسفة الماديين الذين لا يتقبلون سوى وجود المادة ، ويقولون هي الأصل ، والروح فرع عنها ، وعارض من عوارضها ، وينكر الدين أيضا فلسفة المثاليين القائلين بأن الفكر هو الأصل ، والمادة ظاهرة من ظواهره ، وان الأرض والكواكب السماوية كلها روح في صورة المادة . والسبب الباعث على حصر الوجود بالمادة فقط أو الروح فقط ان جماعة من الفلاسفة قالوا لو كانت حقيقة العقل غير حقيقة الشيء المدرك لاستحال عليه ادراكه ، لان أحد المتباينين لا يمكنه ان يدرك المباين الآخر ، لعدم العلاقة بينهما ، ومن اجل التوفيق بين الاثنين ارجع الماديون العقل إلى المادة ، ووحدوا بينهما وقالوا : ان العقل اهتزاز في ذرات الدماغ والجهاز العصبي ، وعكس المثاليون الامر فارجعوا المادة إلى العقل ، واعتبروا وجود الطبيعة وجودا عقليا لا ماديا ، فهؤلاء « عقلوا » المادة ، وأولئك « مددوا » العقل ان صح التعبير « 1 » . وقال آخرون : ان كلا من العقل والجسم متميز ومستقل عن الآخر في الوجود ، ومغاير له في الحقيقة ، ولا مانع من ادراك العقل للمادة ، لان معنى ادراكه لها ان ترتسم فيه صورتها ومثالها ، لا ان توجد بعينها في العقل ، حتى يستلزم ذلك الاستحالة والامتناع « 2 » .
هامش
( 1 ) أنظر كتابنا « اللّه والعقل » ص 54 وما بعدها طبعة ثالثة . ( 2 ) قال البعض ، يستحيل ان توجد المادة في الذهن ، لأنه يتصور الأعوج والمستقيم ، والحار والبارد فيلزم ان يكون اعوجا ومستقيما ، وحارا باردا في آن واحد ، واجب مما ذكرنا من أن الموجود في الذهن صورة الشيء لا نفسه .