الناس يعوده ويقبل دعوة المساكين إلى الطعام ، ويداعب الأطفال ، ويجلسهم في حجره ، ويمازح أصحابه ، ويتسبط معهم في الحديث ، ويقوم بحاجة الفقير والضعيف ، ويحلب الشاة ويقطع اللحم ، ويعقل البعير .
وحين شعر بدنو أجله تحامل على نفسه ، وخرج إلى المسجد ، وخطب في الناس خطبته الأخيرة قائلا :
أيها الناس من جلدت له ظهرا فهذا ظهري ، ومن أخذت له مالا فهذا مالي ، ليأخذه منه ، ولا يخشى الشحناء من قبلي ، فإنها ليست من شأني .
ألا وان أحبّكم اليّ من أخذ مني حقا ان كان له ، أو حللني منه ، فلقيت ربي طيب النفس . فقال سواد بن غزية : يا رسول اللّه أوجعت بطني بالقضيب يوم بدر وأنت تسوي الناس صفا صفا ، فمكني من نفسك لاقتصّ منك .
فوقف النبي ودعاه للاقتصاص منه بالقضيب . فقال الرجل : ان عليك قميصا ، ولم يكن على بطني يومذاك قميص ، فرفع الرسول قميصه عن بطنه متأهبا للقصاص من نفسه ، فما كان من سواد إلا أن عانقه وقبّل بطنه العاري ، ليمس جسده الشريف قبل أن يفارق الدنيا .
أبعد كل ما قدمت يا أبا القاسم لقومك من البر والخير والفضل وبعد ما أخرجتهم من الظلمات إلى النور ، أبعد ما نصحت لهم وجاهدت وتحملت من أجلهم ما تحملت تقف لهم موقف « المذنب » ليقتصوا منك ، ويستوفوا حقوقهم من شخصك .
أي رحمة أوسع ؟ ! وأي خلق أكرم ؟ وأي عدل أبلغ ؛ ؟ ! وأية معجزة أعظم من هذه ؟ ! وهل نحتاج بعدها إلى دليل على صدق محمد ؟ إذن « ليس يصح في الافهام شيء » . هذا مع العلم ان سيرته وتعاليمه كلها معجزات وآيات لا تترك للجاحد إلا التعنت والمكابرة .
وبعد ، فقد قدم المؤلف في كتابه هذا خدمة عظمى للحق والعدل ، وأتمنى أن يقرأه كل انسان ، ثم يرجع القارئ إلى نفسه ليرى وقع الكتاب وسيكون على يقين من ايمانه بكل ما جاء فيه من حيث يريد أو لا يريد ، لأن الواقع يفرض نفسه ، شئنا أم أبينا . وجزى اللّه الدكتور لوقا جزاء المجاهدين في سبيل الحق والعدالة .
عقليات إسلامية — صفحة 211
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٢١١