بالمرة ؟ وإذا افترضنا أن محمدا قرأ قصة آدم وحواء ، وأخبار الماضين في كتاب قديم ، أو نقلها إليه ناقل ، فأين درس التشريع والعلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية وغيرها مما أشار إليه القرآن ؟ ! وإذا افترضنا أن محمدا أدرك بصفاء فطرته أن في القصاص حياة الناس فهل أدرك بفطرته هذه الشريعة الإنسانية الكاملة الشاملة للأحوال الشخصية والصناعية والتجارية والزراعية والجنائية والعسكرية والسياسية ، وكل ما يحتاج إليه الفرد والمجتمع والدولة ؟ ! هل أدرك ربيب الصحراء هذه الشريعة التي تصلح بمبادئها وأسسها لكل زمان ومكان والتي وضعت مئات المجلدات لأحكامها وأصولها وقواعدها وتأسست لدراستها ومعرفة أسرارها الكليات والجامعات ؟ ! وهل في التاريخ رجل واحد له هذه المكانة في عالم التشريع ؟
إن الذي نعهده أن الشرائع الوضعية تضعها الهيئات لا الأفراد ، وأنه يعرض عليها التقليم والتطعيم بمرور الزمن ، لأخطاء تظهر بعد التطبيق والاختبار ، وما عهدنا رجلا واحدا استقل بوضع نظام كامل شامل ، مهما بلغت مواهبه ، واتسعت معارفه . . . إذن فالشريعة الإسلامية ليست من الإنسان ، بل من خالق الإنسان ومبدعة ، فهي أشبه بالتعاليم التي نجدها مع زجاجة الدواء وبعض الآلات ترشدنا إلى كيفية الاستعمال ، ووضع الشيء في مكانه خوفا من الفساد والإفساد ، إنها من مخترع الآلة لا من غيره .
ثم هذه الحقائق الكونية والأسرار العلمية التي تضمنها القرآن ، كيف وصل إليها محمد - والمفروض أنها لا تعرف إلا بمعونة المختبرات والأدوات الفنية التي لم يكن لها من قبل عين ولا أثر ؟ ! هل تلقاها من أستاذ ، ومن يكون هذا الأستاذ ؟ ! أو هي هاجسة من هواجس فكره وظن من ظنونه ؟ ! والظن لا يغني عن الحقائق شيئا . إذن هي من وحي الخالق الذي أوجدها وأوجد كل شيء .
عقليات إسلامية — صفحة 214
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٢١٤