تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاسلام والعقل — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
الشرع فهو حسن ، وما نهى عنه فهو قبيح ، ولو أمر بالقبح لصار حسنا ، أو نهى عن الحسن لأصبح قبيحا . فالصدق والكذب ، والأمانة والخيانة ، سيان في الواقع قبل ان ينص الشرع على التحليل أو التحريم ، ومما احتج به هؤلاء - الآية 23 من سورة الأنبياء - :
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ »
والنتيجة المنطقية لهذا القول إن لا فضائل ولا رذائل في الأفعال قبل أمر الشرع ونهيه . ويكفي للرد على القائلين به ان عقولنا تدرك حسن الصدق النافع ورد الوديعة ووفاء الدين ، وقبح الكذب الضار والخيانة والتعاون على الإثم كما ندرك ضوء الشمس ، وكما نعلم أن ضم واحد إلى مثله يصبحان اثنين ، أجل ان اللّه سبحانه لا يأمر إلا بالحسن ولا ينهي إلا عن القبيح ، كما قال الإمام علي ، ولذا لا نقول : هذا حسن لأن اللّه أمر به ، وذاك قبيح لأنه نهى عنه ، وانما نقول : ان اللّه أمرنا بهذا لأنه حسن ونهانا عن ذاك لأنه قبيح . أما معنى قوله تعالى
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ »
فهو ان العبد لا يحق له أن يقول للّه لم فعلت ؟ لأنه سبحانه قادر على كل مقدور ، وعالم بقبح القبائح وهو غني عنها . ومن كان كذلك استحال أن يفعل القبيح بخلاف العبد ، حيث يجوز عليه ذلك ، ولذا كان مسؤولا . وقال المعتزلة والإمامية : ان الأفعال منها ما هو حسن بحكم العقل لا باعتبار حكم الشرع ، كالصدق النافع وما اليه ، ومنها ما هو قبيح كذلك ، كالكذب الضار ، ومنها ما لا يستقل العقل بالحكم عليه سلبا أو ايجابا ، فنحتاج حينئذ إلى الشرع ، كوجوب الوفاء بعقد البيع ، وتحريم أكل لحم الميتة ، وما كان من النوع الأول يعبّرون عنه بالحسن أو القبح العقلي ، والنوع الثاني ينعتونه بالشرعي . وبالجملة « ان العقل يستقل بحسن شيء وقبح آخر ، ولو في بعض