والحقيقة ان كل ما ينهض بالحياة ، ويرفع من شأنها بجهة من الجهات الروحية أو المادية فهو حسن ، وكل ما يؤخرها عن التقدم ، ويقف في طريق نموها وازدهارها فهو شر وقبيح ، فنهضة الصناعة والزراعة والثقافة ، والتحرر من العبودية والصدق والأمانة وضبط النفس عن الحرام والرذيلة والجهاد والتضحية ، وما إلى ذلك مما يحل مشكلات المجتمع كله خير وحسن في ذاته وعند العقل والناس أجمعين .
أما الركود والجمود ، أما الكذب والدس ، والإعانة على الظلم والاستغلال فشر وقبيح ، لأنه الموت والهلاك بعينه . اذن ، العقل يدرك الكثير مما ينفع الانسانية ويضرها كالأمثلة المتقدمة ، ويخفى عليه الكثير كأكل لحم الميتة وما اليه فنحتاج والحال هذه إلى حكم الشرع ليكشف لنا الحقيقة .
وقد يتساءل : إذا كان العقل يدرك الكثير من حسن الأشياء وقبحها ، وكان القياس الذي يميز بينهما بهذا الوضوح وهذه البديهة ، فلماذا وقع الخلاف في تحديده بين أهل الرأي والنظر ! ؟
والجواب ان اختلاف هؤلاء في معنى الحسن وقياسه لا يدل على عدم وجوده ، أو خفائه وغموضه ، وانما يدل دلالة واضحة على أنهم لم يدركوا حقيقة العالم الذي عاشوا فيه ، ولم يعرفوا شيئا عن حياة المجتمع وفئاته ، فلقد كانوا يعيشون في برج عاجي ، ويرتفعون إلى السماء ، ويتكلمون عن أهل الأرض دون ان يعرفوا عنهم شيئا ، ومن نأى باحساسه ووجدانه عن حياة الناس ، لا يحق له أن يتكلم عنهم وعن مقاييس حياتهم .
ومهما يكن فان الحسن حقيقة واقعة وقياسه جلي وواضح ، وان كثرت الأقوال وتضاربت الآراء في شرحه وتفسيره . ومن النتائج المترتبة على ادراك العقل للحسن والقبح أن كل شيء يحكم العقل بحسنه فهو محبوب شرعا ، وما يحكم بقبحه فهو مكروه كذلك ، وهذا معنى قول طائفة
الاسلام والعقل — صفحة 77
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٧٧