وأجمع كلمة وأبلغها قول اللّه عز وجل :
« مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا » .
وقد يتساءل : إذا كانت الجنة تدرك بالعمل للعمران والسعادة في هذه الحياة فبماذا نفسر ما جاء في القرآن والحديث من ذم الدنيا وأهلها ، والحث على الاعراض عنها ، وزهد الأنبياء فيها ؟ !
الجواب :
لقد خلط الناس لزمن طويل بل حتى الآن بين حب المال وجمعه كغاية ، وبين حب الحياة ، وظنوا ان الاثنين شيء واحد ، أو انهما متساويين لا يفترقان ، ومنشأ هذا الخلط والوهم ما جاء في الكتاب لعزيز :
« وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ . . . *
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى » .
وفي الحديث : « الدنيا والآخرة ضرتان لا تجتمعان » . وما إلى ذلك مما أكد هذا المعنى تصريحا أو تلويحا .
ولكن مع النظر الفاحص يتبين لنا ان أحدهما غير الآخر ، إذ المراد الدنيا المذمومة تأليه المال والتكالب عليه ، وبالآخرة الحق والعدل . ولا ريب أن الحق والباطل ضدان لا يجتمعان ، أما طلب المال للعيش وسدّ الحلة فهو من أفضل الطاعات بحكم العقل والشرع ، ويدل عليه قوله تعالى :
« وابتغ فيما آناك اللّه الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا . . ولا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم . . ألم تر ان اللّه سخر لكم ما في الأرض » .
وفي الحديث : « ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ، ولا الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه . المؤمن القوي خير وأحب عند اللّه من المؤمن الضعيف » .
ان الانسان مهما تجرد وعف ، وسمى بروحانيته فلا يمكنه بحال ان يدع التفكير في عيشه وطعامه وشرابه ، فقد يهون عليه ان يكبح شهوته الجنسية ، ويهون عليه أن يترك الكثير مما اعتاد وألف ، ولكنه لا يستطيع ان لا يفكر في الغذاء ما دامت معدته تطلب ذلك . وعلى هذا لا يكون