العمل في نطاق العيش وسد الحاجة ضربا من الأنانية والمنافع الخاصة ، وانما هو عمل انساني ، ونضال من أجل الحياة العامة والمصلحة الاجتماعية ، فمن عمل لصيانة نفسه وحفظ حياته فقد عمل لصالح الجماعة التي هو فرد منها ، وناضل في سبيل مثل انساني نبيل ، أما إذا عمل للتفاخر والتكاثر بالمال ، وايثارا للراحة وحب الشهوات ، فقد عمل لمآربه الشخصية .
قال الرسول الأعظم : « من طلب الدنيا مكاثرا مفاخرا لقي اللّه ، وهو عليه غضبان ، ومن طلبها استعفافا وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر » لأن عمل الثاني اتخذ شكلا انسانيا ، بعكس الأول الذي تمثل في عمله الطمع والجشع .
قال بعض العلماء : كل ما تدعو اليه الحاجة « 1 » من المأكل والملبس والمسكن فهو للّه ، وما زاد عنها ، وصرف للتنعم والترف فهو لغير اللّه . اذن معاش الانسان في حياته هذه حق من حقوق اللّه . لذا أولاها الأنبياء العناية والاهتمام ، وأعلنوا حربا شعواء على الذين يجمعون المال كغاية قصوى لجهودهم ، ولا يرون الخير والجمال والحق الا بجمعه واحتكاره ، فمن آيات القرآن المنزل على محمد :
« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ . .
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . .
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ » .
وفي الحديث : « رأس كل خطيئة حب الدنيا . . مثل الحريص على
هامش
( 1 ) الحاجة وسط بين الضرورة والترف ، فالضرورة ما تبقي على الأنفاس ، كأكل الخبز بلا أدام ، والترف أن يكون لديك ما لذ وطاب ، وسد الحاجة أن يتوافر لك كل ما تستدعيه الحياة دون زيادة أو نقصان .