في نفوس المضطهدين ، إرادة التحدي لكل معتد أثيم ، ولا يتنازلوا له عن شي من حقهم ، وان امتلأت بهم السجون ، وارتفعت أجسامهم على أعواد المشانق .
ان زهد الأنبياء والصلحاء كان لحساب الانسان ، ومن أجل حقوقه وكرامته . انهم يعلمون ان هذا الرغيف وهذا القميص هما عرق الكادحين ودماؤهم ، فكيف يشبعون من الطعام ، ولعل الذي زرعه وحصده جائعا ! وكيف يلبسون فاخر الثياب ، وربما الذي حاكها عريان ! قال الإمام علي بن أبي طالب : « لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات ان يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع ، أأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرى ؟ ! أو أكون كما قال الشاعر :
وحسبك داء ان تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد
ان التكالب على المال يفقد الشخص انسانيته ، ويزيل من نفسه كل شعور بالواجب ، أي واجب ، فلقد رأينا كيف تعاون أرباب المصانع والمكاسب مع المستعمرين ضد أوطانهم ! وكيف استقبلوهم بأقواس النصر وأكاليل الزهر كأنهم محررون منقذون ! وكيف يتاجرون بالعواطف الدينية ولا يعبدون اللّه الا على حرف . ومن هنا كان موقف الأنبياء معهم تماما كموقفهم مع الجاحدين والمشركين .
وبالتالي ، نعيد القول مرة ثانية ان طريق الجنة هو العلم النافع والعمل البنّاء ، ويكفي شاهدا على هذه الحقيقة قول الإمام علي لمن ذم الدنيا :
« الدنيا منزل صدق لمن صدقها ، ومسكن عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، فيها أنبياء اللّه ، ومهبط وحيه ، ومصلى