تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاسلام والعقل — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
العفو والرحمة ، ويحتج بتفضله واحسانه وعدم افتقاره إلى شيء ، واستمع إلى منطق الإمام الصارم الحازم : « اللهم إني امرؤ حقير ، وخطر يسير ، وليس عذابي مما يزيد في ملكك مثقال ذرة ، ولو أن عذابي مما يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه ، وأحببت أن يكون ذلك لك ، ولكن سلطانك أعظم ، وملكك أدوم من أن تزيده طاعة المطيعين ، أو تنقص منه معصية المذنبين » . وهذه حقيقة صافية نقية ، ودستور إلهي لا تحول دون تطبيقه القوى مجتمعة . وبواقع الحال لا يطبق هذا الدستور الا على من دان به وآمن باللّه وثوابه وعقابه ، أما الجاحد فقد قطع الطريق على نفسه ، واختار لها سوء المصير بالتكذيب واعلان الحرب على اللّه ، ولم يدع لها حجة تستند إليها ، وعذرا تعتذر به . أجل ، ان اللّه كتب الرحمة على نفسه ، ولكن لمن آمن بها وأيقن ، وهو يغفر الذنوب ، ولكن للمؤمن ، لأن ذنبه لا يخرجه عن الإيمان ، فله أن يتذرع بايمانه ، وان يسأل اللّه العفو ، ولا يقطع الزجاء حتى ولو رأى العذاب وجها لوجه ، كما أسلفنا من قول الإمام : « لئن أدخلتني النار لأخبرن أهلها بحبي لك » . وبماذا يتذرع الجاحد بعد يأسه وقوله : لا رب ولا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار . ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ؟ ! قد يكون الذي يستمع إلى مناجاة الإمام عالما أو فيلسوفا أو أديبا أو مؤرخا ، وقد يكون جاهلا ، وقد لا يؤمن بشيء ، ومهما يكن فإنه يشعر في قرارة نفسه بالرهبة والجلال لهذا المنطق ، لأنه يعبر عن واقع لا ريب فيه ، ويفرض نفسه على كل انسان من حيث يشعر أو لا يشعر « وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم » . وهذا ما أراده الإمام من مناجاته ، أراد أن يعود بالنفوس إلى فطرتها ، ويحييها بالأمل والشجاعة ، ويحملها على اليقين بأن سبيل الأمان والنجاة هو الإيمان باللّه ، وان أبواب
الاسلام والعقل — صفحة 164 | محمد جواد مغنية