وأمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا ، وقد ظلمنا أنفسنا ، فاعف عنا ، فإنك أولى بذلك منا ، وأمرتنا أن لا نرد سائلا عن أبوابنا ، وقد جئتك سائلا فلا تردني إلا بقضاء حاجتي ، وأمرتنا بالإحسان إلى من ملكت ايماننا ، ونحن أرقاؤك ، فأعتق رقابنا من النار » .
قد يرى البعض هذه الأقوال شكرا أو استعطافا ، أو تنبيها للغافلين ، أما أنا فأراها احتجاجا بكل ما فيه من معنى ، ودفاعا « حسب الأصول المرعية » وليس في قولي هذا جرأة على اللّه سبحانه ، وتهجم على عظمته ، فقد جاء في الذكر الحكيم :
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ » ،
وبديهة ان نفي الحجة يستلزم امكان ثبوتها ، فإذا قلت : لم أسافر فمعناه أن السفر مقدور لك ، ولكنك لم تفعله .
هذا ، وان اللّه عادل حكيم ، والعادل لا يعاقب حتى يحاكم ، ولا يحاكم حتى يؤمّن المتهم ، ويزيل عن نفسه الخوف على حقه في الدفاع .
ومهما كان يوم القيامة رهيبا وعجيبا ، وكان الحساب دقيقا وعسيرا فكل نفس تطمئن إلى حكم اللّه وعدله ، وتعلم علم اليقين انها لا تظلم شيئا ، فإذا جزعت وخافت فإنما تخاف من ذنوبها وسيئاتها .
ولكن هذه السيئات لا تسلب صاحبها حق الدفاع عن النفس ، فان المذنب والبريء فيه سواء ، وعلى الحاكم أن يفسح المجال للاثنين دون تفاضل ، حتى ولو ظهرت قرائن الاقتناع ودلائل الإدانة ، بل إن المذنب أولى من البريء في هذا الحق ، فان له بعد ثبوت الجرم عليه أن يدلي بأسباب العفو عنه ، أو التخفيف من العقوبة ، بخاصة إذا وجد السبيل إلى ذاك ، ولا شيء أكثر من السبل إلى مغفرة اللّه ورحمته ، ومنها الاعتراف بالتقصير وطلب العفو والرضوان .
لقد كتب اللّه على نفسه الرحمة ، وخاطب عباده بقوله :
« يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » .
اذن يحق لكل من يحاكم بين يديه أن يطلب