غضبه وعقابه خشية التقصير والتفريط ، وهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ، كما وصفهم الإمام علي بن أبي طالب .
وترى هذا الوصف مجسما في أقوالهم وشعورهم ، وهم يناجون خالق الكائنات ، ويتضرعون اليه طلبا للعفو والمغفرة ، وانك لتحس ، وأنت تقرأ تلك المناجاة انهم قد تجردوا عن الشهوات ، ومحوا من أنفسهم جميع الأهواء والغايات ، وقد تراني أيها القارئ مغاليا في قولي هذا ، لأنك ترى مع من يرى أن الانسان مهما سمى بأخلاقه فإنه لا يرتقي إلى ما فوق الظروف والبيئات ، ولكن بماذا تفسر هذه الذروة في كلام الإمام زين العابدين ، وهو يناجي ربه الكريم بقوله :
« إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربويتك جاحد ، ولا بأمرك مستخف ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولا بوعيدك متهاون ، ولكن خطيئة عرضت ، وسولت لي نفسي ، وغلبني هواي ، وأعانني عليها شقوتي . .
فالآن من عذابك من يستنقذني ؟ ! وبحبل من أتصل ، ان أنت قطعت حبلك عني ؟ ! ولولا ما أرجو من كرمك وسعة رحمتك إياي عن القنوط لقنطت . . فهب لي من لدنك رحمة ، انك أنت الوهاب . فبعزتك لو انتهرتني ما برحت من بابك ، ولا كففت عن تملقك . . . إلى من يذهب العبد الا إلى مولاه ؟ ! وإلى من يلتجىء المخلوق الا إلى خالقه ؟ ! » .
ونتساءل : هل انتقل هذا الشعور إلى الإمام بالعدوى ، أو اكتسبه من البيئة ، وقد عاش في عصر الأمويين ، عصر الظلم والفساد . وقديما قيل : الناس على دين ملوكهم ؟ ! كلا ، لا سبب لهذا اليقين إلا المعرفة بقدرة اللّه وعظمته ، وإلا النظر العميق يخترق الحجب والظواهر ، ويدرك الحقائق التي تطمئن إليها النفس ، ويقرها العقل .
لقد تاقت نفس الإمام إلى الخير ، لأنها جبلت من الخير ، وأتاه اليقين ، لأنه جرى مع فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، وتمرد على
الاسلام والعقل — صفحة 161
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٦١