ولكنهم اختلفوا في نوع الدليل الذي يعصم الأفكار المكتسبة منه عن الخطأ ، ويجعلها مطابقة للواقع : هل هو الحواس كالسمع والبصر أو العقل ، أو التجربة والمشاهدة « 1 » أو الدين ، أو الاتصال المباشر كما يزعم المتصوفة « 2 » ، أو لا يمكن الحصول على المعرفة بحال ، كما يقول السفسطائيون الشاكون في كل شيء حتى في أنهم شاكون . وقد ذكرنا هذه الأقوال في البحث الأول « اللّه والعقل » بعنوان « سبب المعرفة » وأشرنا إلى ما هو الحق . القصد من هذه الإشارة معرفة الطريق الذي ينتهي بنا إلى الايمان بالمعاد هل هو العقل أو الوحي ؟ هل هو البراهين العقلية ، أو الكتب السماوية ؟ هذا مع العلم بأن المعاد لا يمكن فيه التجربة والمشاهدة .
وقد ذهب كثير من الفلاسفة ، وعلماء الأديان والملل إلى أن العقل وحده هو السبيل إلى معرفة المعاد ، وانه يحكم بوجوده مستقلا عن كل شيء ، كما يحكم بوجود اللّه . وقال آخرون : ان مسألة المعاد لا تمت إلى العقل بصلة مباشرة ، لا يحكم به سلبا ولا ايجابا . أجل ، انه يرى امكان الإعادة بعد الموت ، وعدم استحالتها ، وعليه يكون الأمر بيد اللّه ، فان شاء أعاد وان شاء أبقى ما كان على ما كان ، وحيث أخبر القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية أن المعاد كائن لا محالة ، وقد حكم
هامش
( 1 ) كانوا يفرقون بين التجربة والمشاهدة بأن المشاهدة تختصر على الملاحظة فقط كمراقبة النجوم والنظر إلى الاجرام السماوية ، أما التجربة فلا بد فيها من التحليل والتركيب والعملية الدقيقة ، وبعد الأقمار الصناعية تحول علم الفلك من علم المشاهدة إلى العلم التجريبي .
( 2 ) قال المتصوفة : إذا تجردت النفس من عوارض الشهوات حصل لها الكشف الروحاني ، والقي العلم فيها القاءدون أية واسطة من الحواس أو التجربة والعقل . وبديهة ان هذه الطريقة ليست من العلم في شيء ، والا بطل النظر والتفكير ، وكانت الكليات والجامعات والمصانع والمختبرات كلها عبثا في عبث ! . .