العقل بامكانه ، فيكون والحال هذه ، حقيقة ثابتة يجب التصديق بها على وفق الشرع .
ونحن نعتمد هذا الطريق ، لاثبات المعاد ، لأنه أيسر الطرق وأقربها إلى الافهام ، ولأنه يجمع بين حكم العقل بالإمكان وعدم الامتناع ، وبين حكم الوحي بالوقوع والثبوت .
أما حكم العقل بالامكان فلأن إعادة الانسان بعد الموت تماثل خلقه وايجاده في هذه الدنيا بعد أن كان عدما . والعقل لا يفرق بين المتساويين ، ويجعل وجود أحدهما دليلا على امكان وجود المساوي الآخر - مثلا - إذا استطاع نجار أن يصنع بابا لهذا البيت فبامكانه أيضا أن يصنع مثله أو دونه لبيت آخر .
والانسان لم يكن شيئا مذكورا ، فأوجده اللّه من تراب « 1 » ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم جعلها عظاما ثم كسا العظام لحما ، وأقرها في الارحام محاطة بثلاثة أغشية « 2 » لا ينفذ إليها الماء والنور ولا الهواء ، ثم أخرجها طفلا ليبلغ أشده ، وجعل له أعضاء مختلفة الصور والقوام حتى أصبح في أحسن تقويم ، ثم وهبه النطق والعقل قاهر الطبيعة ، وصانع المعجزات ورائد المسافرين إلى الكواكب . ومن أخرج هذا الانسان من العدم إلى الوجود فهو قادر بلا ريب على أن يعيده ثانية قياسا للاستئناف على الابتداء لأنهما متساويان بل البدء أعظم وأخطر ومن استطاع أن يبني قصرا فأولى به وأجدر أن يبني كوخا : « قل
هامش
( 1 ) أثبت العلم الحديث ان الإنسان يحتوي من العناصر ما تحتويه الأرض .
( 2 ) جاء في الآية 6 من سورة الزمر« يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ »وفسر القدامى الظلمات الثلاث بظلمة البطن والرحم والمشيمة . وأثبت العلم الحديث ان الجنين في بطن أمه يحاط بثلاثة أغشية تقيه الماء والضوء والهواء وتعرف هذه الأغشية باسم المنارية ، والامنيونية ، والخرنوبية .