دليل الاخر
تنقسم أفكارنا من حيث أصلها إلى نوعين : أفكار فطرية لا يحتاج اثباتها إلى الأدلة والبراهين ، كالشعور بأن الاثنين أكثر من الواحد ، والبصر خير من العمى ، وما إلى ذاك من البديهات التي تثبت نفسها بنفسها .
وأخرى مكتسبة لا نتوصل إلى معرفتها مباشرة ، بل لا بد من النظر ، وعملية الاستدلال ، واستخراج المجهول من المعلوم - مثلا - إذا جهلنا مقدار حرارة المريض أو تبدلاتها ، فلا نعرفها بالفطرة ، بل بواسطة ميزان الحرارة ، ومشاهدة ارتفاع الزئبق .
وقد اتفقت كلمة العلماء على العمل بالأفكار الفطرية التي لا يحتمل فيها الكذب والخطأ ، لأن مصدرها اما الرؤية الواضحة ، واما الغريزة التي جبلت فينا ، وأصبحت جزءا من عقولنا . والعلماء لا يتكلمون عن هذه الأفكار ، كغاية مستقلة بنفسها ، بل كوسيلة ومقدمة يتألف منها الدليل والقياس ، أما الأفكار المكتسبة فتدخل في صلب العلوم ، وقد أولاها العلماء اهتماما بالغا ، واعتبروها الغاية القصوى والمثل الأعلى لبحوثهم وجهودهم .