المسلمين واذلالهم ، واستعبادهم وغصب بلادهم ، فلقد كانت أوّل فتنة ألقت بأس المسلمين فيما بينهم ، يقتل بعضهم بعضا ، بعد أن كانوا قوّة على أعدائهم ، كما أفسحت المجال لما تلاها من الفتن والحروب الدّاخلية الّتي أودت بكيان المسلمين ووحدتهم ، ومهدت لحكم التّرك ، والدّيلم ، والصّليبين وغيرهم .
وبالاختصار لولا فتنة الجمل لإجتمع أهل الأرض على الإسلام ؛ لأنّ رحمته تشمل جميع النّاس أجمعين :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 1 » . وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « إنّما أنا رحمة مهداة » « 2 » .
لقد تذرع قادة حرب الجمل بدم عثمان ، ولنفترض أنّ عثمان قتل مظلوما ، وأنّ الّذين طالبوا بدمه كانوا مخلصين ، ولكن ما ذا كانت النّتيجة ؟ ! طالبوا بدم رجل واحد ، فقتلوا الألوف من الأبرياء ، ولم يقتلوا قتلة عثمان ، وجروا الويلات والنّكبات على الإسلام ، وما زال المسلمون يعانون أسواء تلك الفتنة ، حتّى اليوم ، وسيعانونها إلى آخر يوم .
لقد نحي الإمام عن الخلافة ، وهو يعلم ، والنّاس كلّهم يعلمون أن محله منها كما قال عليه السّلام : ( ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا . ينحدر عنّي السّيل ، ولا يرقى إليّ الطّير ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها
هامش
( 1 ) الأنبياء : 107 .
( 2 ) انظر ، سنن الدّارمي : 1 / 9 ، مستدرك الحاكم : 1 / 35 ، مجمع الزّوائد : 8 / 357 ، المصنّف لمحمّد بن أبي شيبة الكوفي : 7 / 441 ح 144 ، كنز العمّال : 435 ح 32094 .