العيان والسّماع :
قال عليه السّلام : « وكلّ شيء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه . فليكفكم من العيان السّماع ، ومن الغيب الخبر . واعلموا أنّ ما نقص من الدّنيا ، وزاد في الآخرة خير ممّا نقص من الآخرة وزاد في الدّنيا » « 1 » .
إذا سمعت من يثني على شيء من أشياء هذه الحياة ، ويصفه بأسمى الصّفات وأكملها فإنّك واجده لدى التّجربة ، والعيان دون الوصف ، إن كنت ممّن يدرك الأمور على حقيقتها ، وهذه نتيجة حتمية تستدعيها طبيعة الدّنيا الّتي أخذ في تحديدها الفناء والعناء ، وإنّها إذا إحلولى منها جانب أمرّ منها جانب ، وأنّ لذاتها مهما عظمت فإنّها إلى زوال لا محالة ، على العكس من الآخرة ، فإذا سمعت وصفا لشيء من ثوابها أو عقابها فستجده لدى العيان والتّجربة أعظم من الوصف بكثير ، ذلك إنّك لا تدرك الآن شيئا من أشياء الآخرة إلّا بالقياس إلى حياتك هذه وقد أخبرنا الوحي أنّ ذرّة من عقاب الآخرة لا تعادلها ألوان العذاب في الدّنيا مجتمعة ، وأنّ أقل ثواب هناك يفوق نعيم الدّنيا من بدايتها إلى نهايتها .
ولكنّ العاقل يتخذ من دنياه الفانية الوسيلة إلى الدّار الباقية ، وينقص من تلك ليزيد في هذه ، فكما أنّ الّنمو في حياتنا يعتمد على البذل والعمل كذلك النّجاة في الآخرة تعتمد على طاعة اللّه سبحانه ، والتّضحية في سبيل الخير والصّالح العام .
هامش
( 1 ) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة ( 114 ) .