وفجأة وقع طريح الفراش فريسة للسّرطان ، وحين عدته شاهدت صورة يعجز عن وصفها القلم واللّسان ، فقد كان قبل أحزانه وسرطانه معتدل القامة ، وسيم الوجه ، مفتول السّاعدين ، ممتليء الجسم ، قويا نشيطا في ذهابه وإيابه ، تطفح الحياة على وجهه ، وفي عينيه ، وحين دبّ الدّاء في جسمه أصبح رسما بدون جسم ، وخيالا بلا حقيقة ، ولو كان هذا وحده لكان فيه سعادته وهناؤه بالقياس إلى آلامه وأوجاعه ، فلقد رأيته يقضم اللّحاف بأسنانه تارة ، وبعض يده أخرى ، وهو يبكي ويقول : أواه يا حبذا الموت . . . عشرة أشهر لا أعرف فيها النّوم ، ولا الطّعام إلّا بعض العصير ، ثمّ يلتفت إلى ابنه ، ويقول بصوت باك حزين :
اشتروني ، لا أريد مالا ولا عقارا . . . يا ليتني أعمى ، أكسح ، أرعى نبات الأرض عاريا كالحيوانات ، ولا أتألم ألمي هذا . إنّي أحس عظام ظهري تنشر بالمناشير ، وأمعائي تقطع بالسّكاكين ، وكأنّ في خاصرتي مياسم من حديد .
خرجت من بيته ، وأنا أقول : كلّنا معرض لموضعه ومضجعه ، ومن الّذي يضمن لنفسه السّلامة والعافية ، ولكن لا نحس بألم الضّرب قبل وقوعه ، ولا بلذع الحريق قبل أن تمسنا النّار ، وهنا يكمن سرّ الإهمال والتّقصير ، وإلى اللّه نعتذر ونفزع من كلّ مكروه .
وما زالت تلك الصّورة المرهبة ماثلة أمام عيني ، تؤثر في نفسي أثرها المخيف ، ولا أخالها تتوارى عني ما دمتة حيّا ، وما وجدت شيئا أشرح به كلمات الإمام أوضح منها ، وهو القائل عليه أفضل الصّلاة والسّلام : « فاتّعظوا بالعبر ، واعتبروا بالغير ، وانتفعوا بالنّذر » « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر ، نهج البلاغة : الخطبة ( 157 ) .