بل ينبغي القطع بعدم جواز التّعويل على كلام علماء الهيئة في باب القبلة وغيرها ؛ لأنّ شيئا من كلامهم لا يفيدنا علما ولا ظنّا ؛ إذ لا وثوق لنا بإسلامهم فضلا عن عدالتهم ، فكيف يحصل لنا علم أو ظنّ بصحّة ما يلقونه إلينا من قواعدهم ؟ وكيف يجوز لنا التّعويل على كلامهم قبل ثبوت مضمونه لدينا شرعا ؟
قلت : أمّا ما ذكرت من ابتناء بعض قواعدهم على كرويّة الأرض فحقّ .
وأمّا قولك إنّ ما ذكروه في إثبات كرويّتها لا يثمر ظنّا ، فخلاف الواقع ؛ إذ إفادة الدّلائل « 1 » الآتية المفصّلة في محالّها ، الظّنّ بكرويّة الأرض ممّا لا مجال للريب فيه . وإن كان كلّ من تلك الأثبات بانفراده غير ناهض بذلك ، لكن يحصل من مجموعها ظنّ غالب لا يمتري فيه من له أدنى حدس « 2 » .
نعم ، الدّليل اللمّيّ المذكور في الطّبيعيّ غير ناهض بذلك ؛ لابتنائه على أنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد ، فلا تعويل عليه . وأمّا ما ذكرت من أن أهل الشّرع ينكرون كرويّتها ، فليس كما زعمت ، وكلامهم ينادي بخلافه .
قال العلّامة قدّس اللّه روحه في كتاب الصّوم من التّذكرة : إن الأرض كرة ، فجاز أن يرى الهلال في بلد ولا يظهر في آخر ؛ لأنّ حدبة الأرض مانعة لرؤيته . وقد رصد ذلك أهل المعرفة ، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب الغربيّة لمن جدّ في السّير نحو المشرق وبالعكس « 3 » . انتهى كلامه زيد إكرامه .
وقال ولده فخر المحقّقين رحمه اللّه في الإيضاح : الأقرب أنّ الأرض كرويّة ؛ لأنّ الكواكب تطلع في المساكن الشّرقيّة قبل طلوعها في المساكن الغربيّة ، وكذا في
هامش
( 1 ) . في ح : الدّليل .
( 2 ) . البحث إنّما هو في الكرويّة الحسيّة ؛ إذ لا كلام في أنّ الأرض ليس كرة حقيقيّة . « منه رحمه اللّه » .
( 3 ) . التذكرة 6 : 123 .