قال شيخنا طاب ثراه في الذّكرى : إن أكثر أمارات القبلة مأخوذ من علم الهيئة ، وهي مفيدة للظنّ الغالب بالعين والقطع بالجهة « 1 » ، انتهى .
وأمّا ما زعمت من أنّ شيئا من كلامهم لا يفيد علما ولا ظنّا فبعيد عن جادّة الإنصاف جدّا .
وكيف لا يفيد شيء من كلامهم علما ولا ظنّا وقد ثبت أكثره بالدّلائل الهندسيّة والبراهين المجسّطيّة « 2 » الّتي لا يتطرّق إليها سوء « 3 » شبهة ، ولا يحوم حولها وصمة ريب ، كما هو ظاهر على من له دراية في ردّ فروع ذلك العلم الشّريف إلى أصوله ؟
وأمّا قولك : إنّه لا وثوق لك بإسلامهم فضلا عن عدالتهم ، فكيف يجوّز ذلك « 4 » التّعويل على كلامهم قبل تيقّن مضمونه ؛ فكلام عار عن حلية السّداد ؛ إذ اليقين غير شرط .
ورجوع الفقهاء فيما يحتاجون إليه من كلّ فنّ إلى علماء ذلك الفنّ ، وتعويلهم على قواعدهم - إذا لم تكن مخالفة لقانون الشّرع - شائع ذائع معروف فيما بينهم خلفا عن سلف ، كرجوعهم في مسائل النّحو إلى النّحاة ، وفي مسائل اللّغة إلى اللّغويين ، وفي مسائل الطّبّ إلى الأطبّاء ، وفي مسائل المساحة « 5 » والجبر والمقابلة والخطأين وما شاكلها إلى أهل الحساب من غير بحث عن عدالتهم وفسقهم ، بل يأخذون عنهم تلك المسائل مسلّمة ، ويعملون بها من دون نظر في دلائلهم الّتي أدّتهم إليها ؛ لحصول الظّنّ الغالب بأنّ الجمّ الغفير من الحذّاق في صناعة من الصّناعات إذا اتّفقت كلمتهم
هامش
( 1 ) . الذكرى 3 : 162 .
( 2 ) . المجسّطي : موسوعة فلكيّة برهانيّة ألّفها بطليموس باللّغة اليونانيّة وعرّبت أكثر من مرّة .
( 3 ) . في ح : شوب .
( 4 ) . في س : لك .
( 5 ) . في س : المساحات