أمسح بما في يدي من النّدى رأسي ؟ قال : « لا ، بل تضع يدك في الماء ثمّ تمسح » « 1 » .
أقول : قد يظنّ أنّ ما تضمّنه الحديث الأوّل من قول زرارة للباقر عليه السّلام : « ألا تخبرني من أين علمت ؟ » ينبئ عن سوء أدبه وقلّة احترامه للإمام عليه السّلام ، وهو قدح عظيم في شأنه .
وجوابه : أنّ زرارة رضي اللّه عنه أوضح حالا ، وأرفع قدرا من أن يظنّ به ذلك ، ولكنّه كان ممتحنا بمخالطّة علماء العامّة ، وكانوا ربّما بحثوا معه في بعض المسائل ، وطالبوه عليها بالدلائل الّتي ربّما عجز عنها .
فأراد أن يستفيد من الإمام عليه السّلام ما يسكتهم به ، ويردّ شبهاتهم ، ويخلص من تعجيزهم ، فعبّر بتلك العبارة من دون تأمّل ، معتمدا على رسوخ ولائه وخلوص عقيدته ، واثقا بعلم الإمام عليه السّلام بما قصده بذلك السّؤال .
وربّما قرأ قوله « من أين علمت وقلت » بتاء المتكلّم ، أي أخبرني بمستند علمي بذلك ودليل قولي به ، فإنّي جازم بالمدّعى ، غير عالم بدليله ، وعلى هذا فلا إشكال .
وفي ضحكه عليه السّلام عند سماع كلامه هذا ، نوع تأييد لهذا الوجه .
هامش
( 1 ) . التّهذيب 1 : 59 ح 164 ، الاستبصار 1 : 59 ح 174 ، الوسائل 1 : 287 الباب 21 من أبواب الوضوء ح 4 . أبو بصير روى عنه هذا الحديث شعيب ، والظاهر أنه العقرقوفي ابن أخت أبي بصير يحيى بن القاسم ، فقد روى عن خاله .
والرواية من الموثّقات ، وقد عدّها العلامة طاب ثراه في المختلف من الصحاح ، وفيه تأمّل ، « منه رحمه اللّه » . طريق هذه الرواية في التّهذيب هكذا : الحسين بن سعيد عن حمّاد عن شعيب عن أبي بصير . والعلامة عدّها من الصّحاح ، وكأنّه حمل حمّادا على ابن عيسى أو ابن عثمان أو ابن أبي طلحة أو ابن ضمخة ، والحمل على حمّاد بن شعيب أو السمندريّ الممدوحين محتمل ، وأمّا شعيب فالظاهر أنّه الثقة العقرقوفي ابن أخت أبي بصير يحيي بن القاسم ، كما أن الظاهر أنّ المراد بأبي بصير هو هذا لا ليث بن البختريّ العظيم الشأن ، وكلام العلّامة يعطي الحمل على الثاني ، وظنّي أنّه هو الأوّل ، وإنّما جعلت حديثه موثقا لقول الشيخ إنّه واقفيّ ، وشهادة النجاشيّ بتوثيقه ، وأمّا حمله على غيرهما فلا يخلو من بعد ، كما لا يخفى على المتأمّل . « منه رحمه اللّه » .