وما تضمّنه الحديثان الأوّلان ، من ابتدائه عليه السّلام بأعلى الوجه ، هو مستند جمهور الأصحاب على وجوب الابتداء بالأعلى ؛ لأنّه عليه السّلام في مقام البيان ، فوجب اتّباعه .
ولما روي من أنّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا توضّأ الوضوء البيانيّ قال : « هذا وضوء لا يقبل اللّه الصّلاة إلّا به » « 1 » .
ولأنّه صلّى اللّه عليه وآله لو بدأ بغير الأعلى لتعيّن ، ولم يجز خلافه لهذه الرّواية ، لكنّه لم يقل به أحد .
فتعيّن أن يكون قد بدأ بالأعلى . هذا خلاصة ما استدلّ به العلّامة في المنتهى « 2 » .
وذهب السيّد المرتضى « 3 » رضي اللّه عنه ، وابن إدريس « 4 » إلى جواز الابتداء بغير الأعلى ؛ لإطلاق الآية ، وأصالة براءة الذمّة « 5 » .
ويمكن أن يقال من جانبهما في الجواب عن الدليل الأوّل : إنّ مجرّد ابتدائه عليه السّلام بالأعلى لا يقتضي وجوبه ، كإمراره عليه السّلام اليد على الوجه ، ولم لا يجوز أن يكون ذلك من الأمور الجبلّيّة ، فإنّ كلّ من يغسل وجهه يغسله من الأعلى « 6 » ؟ !
وأيضا فيجوز كون غسله عليه السّلام من الأعلى لكونه أحد جزئيّات المأمور به ، أعني مطلق الغسل ، لا لكونه عين المأمور به .
وعن الثّاني : أنّها رواية مرسلة لا تعويل عليها ، مع ظهور أنّ المراد « لا يقبل اللّه الصّلاة إلّا بمثله » فالواجب أقلّ ما يصدق معه مماثلة الوضوءين ، ولا نسلّم انتفاءها
هامش
( 1 ) . الفقيه 1 : 25 ح 76 ، الوسائل 1 : 308 الباب 31 من أبواب الوضوء ح 11 .
( 2 ) . المنتهى 2 : 36 .
( 3 ) . الناصريّات ( الجوامع الفقهية ) : 224 .
( 4 ) . السرائر 1 : 99 .
( 5 ) . في س زيادة : وامتثال الأمر الكلّي يحصل بفعل أحد جزئيّاته .
( 6 ) . والثاني فيها غير واجب على الأمة . « منه رحمه اللّه » .