وثانيها : قوم من أهل الصلاح ولكن ليس لهم بصيرة في الوصول إلى أغواره والوقوف على أسراره ، بل إنّما يصلون إلى ظواهره فتنقدح الشكوك في قلوبهم من أوّل شبهة تعرض لهم .
وثالثها : جماعة لا يتوصّلون بالعلم إلى المطالب الدنيوية ولا هم عادمون للبصيرة في إحيائه بالكلّية ، ولكنّهم اسراء في أيدي القوى البهيمية ، منهمكون في الملاذّ الواهية الوهميّة .
ورابعها : طائفة سلموا من تلك الصفات الذميمة وسلكوا الطريقة المستقيمة لكنّهم لم يخلصوا من صفة خسيسة أخرى وهي حبّ المال وادّخاره وجمعه وإكثاره .
وبالجملة فلا بدّ لطالب العلم الحقيقي من تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق وذمائم الأوصاف ، إذ العلم عبادة القلب وصلاته ، وكما لا تصحّ الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلّا بتطهير الظاهر من الأحداث والأخباث كذلك لا تصحّ عبادة القلب وصلاته إلّا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف .
كذلك يموت العلم بموت حامليه : أي مثل ما عدم من يصلح لتحمّل العلوم الحقيقية والمعارف الإلهيّة تعدم تلك العلوم والمعارف وتندرس آثارها بموت العلماء العارفين ، لأنّهم لا يجدون من يليق لتحمّلها بعدهم .
ولمّا كانت سلسلة العلم والعرفان لا تنقطع بالكلّية ما دام نوع الإنسان ، بل لا بدّ من إمام حافظ للدين في كلّ زمان على ما تقتضيه قواعد العدلية رضوان اللّه عليهم ، استدرك أمير المؤمنين عليه السّلام كلامه هذا بقوله :
[ - في عدم خلو الأرض من قائم للّه بحجّة ]
اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهر مشهور :
كمولانا أمير المؤمنين عليه السّلام في أيّام خلافته الظاهرة المتّفق عليها بين أهل الإسلام .