بالنذر كان بالإشارة فأطلق سبحانه عليها القول مجازا .
وقد نقل الشيخ الجليل أبو علي الطبرسيّ رحمه اللّه في مجمع البيان أنّه كان قد اذن لها أن تتكلّم بهذا القدر ثمّ تسكت ولا تتكلّم بشيء آخر « 1 » . وهو صريح في أنّ كلامها هذا لم يكن صيغة النذر بل إخبارا لسبق وقوعه منها كما مرّ .
وأمّا الآية الثانية فهي وان احتملت أن يكون هذا الكلام الصادر عن امرأة عمران هو صيغة النذر إلّا أنّ كلام المفسّرين صريح في أنّها قالته بعد صدور النذر .
قال في الكشّاف : روي أنّها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت ، فبينا هي في ظلّ شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا له ، فتحرّكت نفسها للولد وتمنّته وقالت : اللّهمّ إنّ لك عليّ نذرا شكرا إن رزقتني ولدا أن أتصدّق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته ، فحملت بمريم عليها السّلام « 2 » إنتهى كلام الكشّاف .
فإن قلت : قد روى الشيخ أبو عليّ الطبرسي رحمه اللّه في كتاب مجمع البيان عند تفسير هذه الآية عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام أنّه قال : إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى عمران : إنّي واهب لك ذكرا يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل . فحدّث امرأته بذلك وهي امّ مريم عليهاالسّلام ، فلمّا حملت بها قالت :
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً
الحديث « 3 » وهو يشعر بأنّ هذا القول هو صيغة النذر وأنّه لم يسبق منها نذر تحريره إن رزقته كما رواه في الكشّاف ، إذ بعد إعلام اللّه سبحانه بهبة الولد لا معنى لاستجلابه
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 5 - 6 ص 512 في تفسير الآية ( 27 ) من سورة مريم .
( 2 ) تفسير الكشّاف : ج 3 ص 355 في تفسير الآية ( 35 ) من سورة آل عمران .
( 3 ) مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 434 في تفسير الآية ( 35 ) من سورة آل عمران .