واللّه تعالى لا يصدر عنه القبيح على ما تقدم وثالثها قوله تعالى
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
فقد أثبت كراهة هذه القبايح وهو يخالف مذهبهم ورابعها انّه لو كان مريدا للكفر من الكافر والمعصية من العاصي لكان مطيعين للّه تعالى حيث فعلا مراد اللّه تعالى ولو كره الايمان والطاعة منهما لكانا مطيعين له حيث تركا ما يكرهه اللّه تعالى وهو محال وخامسها كيف يريد اللّه الكفر من الكافر ثم يعاقبه عليه وكيف يكره منه الايمان ثم يعاقبه على تركه
البحث الرّابع [ في انه تعالى يفعل لغرض ]
في ان اللّه تعالى يفعل لغرض اختلف المسلمون في ذلك فذهب المعتزلة إلى أن اللّه تعالى يفعل لغرض وغاية وحكمته مقصودة اما معقولة لنا أو خفيّة عنّا لكن لا يفعل الّا لحكمة وغرض وقالت الأشاعرة ان اللّه تعالى يستحيل يفعل شيئا لغرض وغاية البتّة فلم يخلق العين للابصار ولا الاذن للسّمع ولا الحواس للادراك بها ولا الأغذية للانتفاع بها ولا الأدوية لإزالة الضرر بها ولم يخلق النار للاحراق ولا الشمس للاشراق ولا الغذى للتغذي به ولا الملّاذ والفواكه للالتذاذ بها وبالجملة لم يخلق شيئا لغاية البتّة وهذا القول باطل لوجوه الأول انه يلزم منه العبث في فعله تعالى لان معنى العبث الفعل الخالي من الغاية والغرض وهو محال على اللّه تعالى الثاني انه يلزم منه الظلم لانّه إذا كلف العبد لا لغرض الإفادة والزمه مشاقّ التكليف لا لنفعه في الدنيا ولا في الآخرة كان ذلك محض الظلم وهو تعالى منزه عن ذلك الثالث انه يلزم منه ابطال دليل النّبوة وذلك يوجب الكفر بيان ذلك ان دليل النّبوة مبنىّ على مقدمة هي انّ اللّه تعالى خلق المعجز على يد مدعى الرّسالة لغرض التصديق لأنه لو فعل لا لذلك لم يكن دليلا على التصديق وتمثل المسلمون في ذلك مدعى الرّسالة ملك وقال له أيها الملك ان كنت صادقا في مقالتي فقم ليعرف الناس صدق مقالتي فقام ذلك الملك طلبا لتصديقه وفعل ذلك عدة مرارا فان الناس يجزمون بصدقه ولو قال الملك في كلّ مرّة لغرض غير التصديق كالملال من ذلك المكان وإرادة قضاء الحاجة وغير ذلك لم يدل على صدقه وصار بمنزلة ما لو ادعى شخص رسالة ربّ العالمين وقال يا اللّه ان كنت صادقا فلتطلع الشمس غدا من المشرق فطلعت على عادتها منه لم يكن دليلا على صدقه حيث لم يفعله اللّه لغرض تصديقه