المسئلة الثّالثة [ في استحالة الرؤية ]
في ان اللّه تعالى يستحيل رؤيته اختلف المسلمون في هذه المسئلة على قولين ذهب الأكثر منهم إلى أنه يمتنع رؤيته وهو مذهب الأوائل وقالت الأشاعرة انّ اللّه تعالى يصّح عليه الرؤية قال فخر الدّين الرّازى وهو منهم ان أصحابنا خالفوا جميع العقلاء في ذلك به اما المعتزلة والفلاسفة فظاهر لأنهم ينكرون ذلك انكارا ظاهرا واما الباقون من المسلمين وهم المشبهة والمجسّمة فانّهم وان اثبتوا الرؤية لكن لا على الوجه الذي قلناه لأنهم اعتقدوا ان اللّه تعالى جسم فلهذا اثبتوا رؤيته ولو قالوا بأنه مجرّد لا في جهة امتنع عندهم رؤيته والدليل على المذهب الأول العقل والنّقل اما العقل فان الضّرورة قاضية بان كل مرئى فهو في جهة فانّه لا بد وان يكون مقابلا للرائي أو في حكم المقابل كالمرئى في المرآة وكلّ مقابل أو في حكمه فهو في جهة واللّه تعالى ليس في جهة فلا يكون مرئيا ولانّه لو كان مرئيا لرايناه الان لوجود العلة المقتضية للرؤية وهو حصول الشّرايط وانتفاء الموانع وسلامة الحاسّة وامّا النّقل قوله تعالى
لَنْ تَرانِي
ولو كانت صحيحة ويراه بعض المؤمنين لكان موسى أولى بالرّؤية وقوله تعالى
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
تتمدح بنفي الرّؤية فيكون ثبوتها نقضا له والنقض على اللّه تعالى محال ولان بعضهم سلم انّ معرفة اللّه ليست حاصلة الّا بصفاته واثاره دون حقيقته فكيف تصحّ رؤيته والإحاطة بكنه حقيقته تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا وإذا تحقق هذا كان القول بنفي الرّؤية أليق وانسب بالنقض لكمال وثبوتها انسب بالنقض فتعيّن الأول لوجوب تنزيه اللّه عن كلّ النّقايص
تنبيه [ في قول الأشاعرة بالرؤية ]
ذهب الأشاعرة باعتبار مقالتهم هذه إلى انّ علّة الرّؤية هي الوجود وكل موجود على الاطلاق عندهم يصح ان يرى ولم يشترطوا المقابلة ولا حكمها ولا الشرايط التي اعتبرها غيرهم من سلامة الحاسّة وعدم البعد المفرط والقرب المفرط ووقوع الضّوء على المرئى وعدم الحجاب وعدم الشفافيّة ولم يوجبوا الرؤية عند حصول هذه الشرايط ولا غيرها من الادراكات عند حصول شرايطها فلزمهم محالات لا معدل لهم عنها فالتزموها وارتكبوا بسببها مذهب السّوفسطائية منها انّهم جوزوا رؤية كل موجود سواء كان جسمانيا أو مجرّدا فجوّزوا رؤية الشهوة والنفرة والإرادة والكراهة والقدرة والحياة والادراك والبقاء وغير ذلك