الثاني : مع الإيمان بكون مرجع العلم الحصولي هو علم حضوري ، وأنَّ العلوم الحضورية مجردة لا تغيّر فيها ، وأنَّ التغيّر هو تغيّر بالحمل الأولى ، كيف
حصلنا على مفهوم الحركة إذن ؟
فمفهوم الوجود والعلية والمعلولية والجوهر والعرض إنما تشكلا على أثر حضور وجوداتهما الحضورية ، لكن مفهوم التغيّر والحركة لم يأتيا من هذا الطريق ؛ لأنَّ وجودات هذه المفاهيم الحضورية هي مجردة عن المادة .
والإجابة عن هذا الاستيضاح واضحة أيضاً بعد معرفة الترتب الوجودي ، فإنَّ عالم المادة يحمل نوعاً من الحركة ، وهى : الخروج من القوة إلى الفعل ، وكذا عالم المثال ، لكن الحركة فيه ليست بمعنى الخروج من القوة إلى الفعل ، بل بما يتناسب ويتسانخ معه ، فالحركة من الأعراض التحليلية التي تؤخذ من الوجود ، فلابد أن يكون لها منشأ انتزاع يتناسب معها .
ولتوضيح الفكرة نستعين بمثال :
إنَّ وقوع قطعة من الحجر من مكانٍ عالٍ يمكن أن يلحظ في حالتين :
1 مشاهدة القطعة في مكان واحد في كل الآنات .
2 مشاهدة القطعة وأخذ صورة ذهنية عنها في كل آن من الآنات ، وهى تتحرك في كل آن من مكان إلى مكان إلى حيث استقرارها في مكانها الأخير .
وعند ملاحظة الذهن الصور التي أخذها يجدها صوراً لموجود واحد ؛ وذلك لأنه حينما يقيس كل صورة إلى أخرى يجدها هي هي رغم تعدد هذه الصورة ، وهذا معنى ما تقدّم من أنَّ الحركة معقولة لا محسوسة ، إلا أنَّ معقوليتها بإعانة من الحس .
قد يقول قائل : بأنَّ هذا الترتّب الوجودي إنما هو من باب القوة والفعل .
إلا أنَّ هذا القول غير تامّ في عالم الخيال ؛ وذلك لأنَّ زوال الصورة السابقة يقتضى كون الصورة الخيالية الحالية صورة جديدة ، مع أنَّ هذه الصورة
شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول ) — صفحة 199
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩٩