خدمة هذه الدواعي الكلية ؛ لترشيد المسيرة الإنسانية وتنظيمها .
ثمَّ إنَّ العوالم الثلاثة الأصلية هي مترتّبة ترتّباً طولياً ، فأعلاها مرتبة وأقربها للحقّ تعالى هو عالم العقول ؛ وذلك لتمام فعليتها ، ولتنزّه وجودها عن شوب المادة والقوة . ويليه عالم المثال المنزّه عن المادة دون آثارها ، ومن ثمَّ عالم
المادة ، والذي هو موطن الشرّ والإمكان .
وقبل أن نختم الحديث في هذا الفصل لابد من الإشارة إلى أثر هام في نظرية المصنف في تفسير حقيقة العلم والاتحاد ، أكّده في نهاية هذا الفرع الثالث ، فهو يرى عدم إمكانية تعلق علمه تعالى بالماديات علماً حضورياً ، بل بما يحاذيه من وجود مثالي أو عقلي ، وهذا المعلوم المادي معلوم بالعرض بالنسبة إليه ، لا بالذات .
وهذا الكلام واضح على مبناه في الاتحاد ، والذي تقدّم الحديث حوله مفصلًا ؛ إذ قد ذهب إلى أنَّ علم العلة بمعلولها هو علمها بحقيقة الرقيقة ، فهي عالمة بالحقيقة ، ولمكان الاتحاد بين الحقيقة والرقيقة نقول بعلمها بالرقيقة ، غير أنَّ هذه الرقيقة معلومة بالعرض لا بالذات ، وهذا من آثار تلك النظرية .
أما مختارنا فهو يرى وفقاً للإحاطة الوجودية بين العوالم أنَّ عالم المادة حاضر عند عالم المثال لا بحقيقته ، بل هو حاضر بوجوده المادي ؛ لأنَّ عالم المثال محيط بعالم المادة حسب الفرض ، وهذا يؤكد حضوره بوجوده عند عالم المثال ، ومع صحة هذا التصوير هنا يصح ذلك أيضاً في علم الحق تعالى في مقام الفعل ، ولا محذور فيه ، وسيأتي البرهان على ذلك في الإلهيات بالمعنى الأخص عند التعرّض لعلمه الذاتي والفعلي .
أضواء على النص
* قوله : » ينقسم العلم الحصولي إلى كلى وجزئي « .
يعنى من العلم المنقسم هنا هو العلم الحصولي التصوري لا مطلق العلم ،