مناقشة استدلال المتكلِّمين
ناقش المصنّف هذا الكلام بمناقشات ثلاث :
الأولى : إنّنا نرجع الكلام إلى الزمان نفسه ، فنقول : إنّ الزمان إمّا واجب وإمّا ممكن ، ولا ثالث لهما ، فإن كان واجباً ، لزم تعدّد الواجب ، وهو محال كما تقدّم .
وإن كان ممكناً ، فهو فعل الواجب تعالى ، ويكون حكمه حكم عالم الإمكان ، فيكون منقطع الأوّل ، إذ لا فرق بين إمكانيّة الزمان وغيره ، أو بين الظرف والمظروف ، فالكلّ فعل الله تعالى ، وعلى هذا فلا يوجد قبل العالم زمان حتّى يُقال إنّ العالم مسبوق بعدم زمانيّ .
الثانية : لو سلّمنا معكم أنّ الزمان غير منقطع الأوّل والآخر ، وأنّه قديم ، إلّا أنّ القول بقدم الزمان يناقض قولكم بانحصار القديم بالواجب تعالى .
الثالثة : تقدّم آنفاً أنّ الزمان كمّ عارض للحركة ، والحركة عارضة للجسم ، فالزمان بالتالي يكون عارضاً للجسم ، فلو كان الزمان قديماً لا متناهياً ، للزم أن يكون الجسم لا متناهياً أيضاً ، إذ لا معنى لتناهي المعروض من دون تناهي العارض ، لعدم بقاء العارض بعد فقد المعروض ، وعلى هذا
فإنّ عدم تناهي الأجسام يعني قِدم العالم ، وهو يناقض قولكم بحدوث العالم .
محاولات للدفاع عن الدليل
المحاولة الأولى : حاول بعض المتكلِّمين التخلّص من المناقشة الأولى التي تضمّنت القول إنّ الزمان إمّا واجب أو ممكن ، فقالوا : إنّ الزمان يمكن أن لا يكون واجباً ولا ممكناً ، ولا محذور في ذلك ؛ لأنّ القسمة إلى واجب إلى ممكن إنّما هي في الموجودات الحقيقيّة لا الاعتباريّة ، والزمان أمرٌ اعتباري لا حقيقي ، والأمر الاعتباري لا منشأ لانتزاعه ولا مصداق يُحاذيه في الخارج ، فهو من