دليل بعض المتكلِّمين لإثبات أنّ كلّ ما سوى الله فهو حادث زماني
يعتقد الاتّجاه الكلامي بشكل عامّ ، أنّه لا مجرّد غير الواجب تعالى ، وعلى هذا فكلّ ما سواه فهو جسم وجسماني . ومن هنا حاولوا إثبات الحدوث الزماني لكلّ ما سوى الله تعالى ، لا إثباته لخصوص عالم المادّة والطبيعة كما هو على مباني الحكماء .
وحاصل ما ذكروه في المقام : أنّ العالم الإمكاني منقطع الأوّل غير منقطع الآخر ، لأنّ الآخرة دائمة غير منقطعة ، أمّا الزمان فهو غير منقطع الأوّل وغير منقطع الآخر ، وعلى هذا فيكون صدر الزمان خالياً من العالم ، أي مضى زمان ما وهو غير مشغول بالعالم ، فيكون العالم حادثاً زمانيّاً .
وقد تقدّم الكلام في استدلال المتكلِّمين على حدوث العالم في الفصل السادس من المرحلة الرابعة ، وقد استندوا في ذلك إلى قاعدة عندهم مؤدّاها : « كلّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وكلّ ما امتنع عدمه فهو واجب » . وعلى أساس هذه القاعدة قالوا باستحالة القدم الزماني لغير الواجب تعالى ؛ لأنّه إذا ثبت قدمه يمتنع عدمه وما امتنع عدمه يثبت وجوب وجوده ، وحيث إنّ الأدلّة قامت على وحدانيّة الواجب تعالى ؛ فعلى هذا لو وجد القديم الزماني ، غير الواجب تعالى ، للزم تعدّد الواجب ، وهو ينافي أدلّة وحدانيّة الواجب .
وقد أشار المصنّف إلى هذا الاستدلال في المرحلة الرابعة بقوله : « وقد استدلّوا على نفي علّية الإمكان وحده للحاجة بأنّه لو كانت علّة الحاجة إلى العلّة هي الإمكان من دون الحدوث جاز أن يوجد القديم الزماني ، وهو الذي لا يسبقه عدم زمانيّ ، وهو مُحال ، فإنّه لدوام وجوده لا سبيل للعدم إليه حتّى يحتاج في رفعه إلى علّة تفيض عليه الوجود ، فدوام الوجود يُغنيه عن العلّة » « 1 » .
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل السادس من المرحلة الرابعة ، ص 63 .