وأمّا ما صوّرهُ المتكلِّمونَ في حدوثِ العالمِ يعنونَ ما سوَى البارئِ سبحانَه زماناً بالبناءِ على استحالةِ القدمِ الزمانيِّ في الممكنِ ومحصّلُه : أنّ الوجوداتِ الإمكانيّةَ منقطعةٌ مِن طرفِ البدايةِ ، فلا موجودَ قبلَها إلّا الواجبُ تعالى ، والزمانُ ذاهبٌ مِن الجانبينِ إلى غيرِ النهايةِ ، وصدرُه خالٍ عن العالمِ ، وذيلُه مشغولٌ به ظرفٌ له .
ففيهِ : أنّ الزمانَ نفسَه موجودٌ ممكنٌ مخلوقٌ للواجبِ تعالى ، فليجعلْ مِن العالمِ الذي هو فعلُه تعالى ، وعندَ ذاكَ ليسَ وراءَ الواجبِ وفعلِه أمرٌ آخرُ ، فلا قبلَ حتّى يستقرَّ فيه عدمُ العالمِ استقرارَ المظروفِ في ظرفِه .
على أنّ القولَ بلا تناهي الزمانِ أوّلًا وآخراً ، يناقضُ قولَهم باستحالةِ القديمِ الزمانيِّ .
مضافاً إلى أنّ الزمانَ كمٌّ عارضٌ للحركةِ القائمةِ بالجسم ، وعدمُ تناهيه يلازمُ عدمَ تناهي الأجسامِ وحركاتِها ، وهو قِدمُ العالمِ المناقضُ لقولهِم بحدوثِه .
وقد تفصّى بعضُهم عن إشكالِ لزوم كونِ الزمانِ لا واجباً ولا معلولًا للواجب ، بأنّ الزمانَ أمرٌ اعتباريٌّ ، لا بأسَ بالقولِ بكونِه لا واجباً ولا معلولًا للواجب .
وفيه : أنّه يستوي حينئذٍ القولُ بحدوثِ العالمِ وقِدمِه زماناً ، إذْ لا حقيقةَ للزمان .
وتفصّى عنه آخرون ، بأنّ الزمانَ انتزاعيٌّ منتزعٌ مِن الوجودِ الواجبيِّ ، تعالى عن ذلك .
وأُجيب عنه : بأنّا لا نسلّمُ وجوبَ المطابقةِ بين المنتزَع والمنتزَع عنه . وأنت خبيرٌ بأنّه التزامٌ بالسفسطة .
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 423
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٢٣