ذات الماهيّة من حيث هي ، وتلك المرتبة لا تقتضي وجوداً ولا عدماً ، فكما لا يصحّ نسبة استحقاق الوجود إليها كذلك لا يصحّ نسبة استحقاق العدم إليها أيضاً .
قال في « المباحث المشرقيّة » : « إنّه لا يجوز أن يُقال الممكن يستحقّ العدم من ذاته ، فإنّه لو استحقّ العدم من ذاته لكان ممتنعاً لا ممكناً ، بل الممكن يصدق عليه أنّه ليس من حيث هو هو بموجود ، ولا يصدق عليه أنّه من حيث هو هو ليس بموجود . بل كما أنّ الممكن يستحقّ الوجود من وجود علّته فإنّه يستحقّ العدم من عدم علّته ، فإذا كان استحقاقه للوجود والعدم من الغير لم يكن واحد منهما من مقتضيات الماهيّة ، ولم يكن لأحدهما تقدّم على الآخر . فإذن لا يكون لعدمه تقدّم ذاتيّ على وجوده .
ولعلّ المراد من هذه الحجّة هو أنّ الممكن يستحقّ من ذاته اللااستحقاقيّة
للوجود والعدم ، وهذه اللااستحقاقيّة وصف عدميّ سابق على الاستحقاق ، فيتقرّر الحدوث من هذا الوجه » « 1 » .
الثاني : ولعلّه لهذا عدل بعضهم عن التعريف المشهور للحدوث وهو المسبوقيّة بالعدم إلى المسبوقيّة بالغير ، وبيّن للحدوث الذاتي تعريفاً آخر ، وهو أنّ كلّ ممكن فهو مسبوق بوجود علّته ، لأنّ وجوده مستفاد منها ، فيصحّ أن يُقال إنّه حادث بمعنى مسبوقيّته بالعلّة .
قال صدر المتألّهين : « وأمّا الوجه الثاني فقد ذكروا أنّ كلّ ممكن الوجود ، فإنّ ماهيّته مغايرة لوجوده ، وكلّ ما كان كذلك امتنع أن يكون وجوده من ماهيّته ، وإلّا لكانت الماهيّة موجودة قبل كونها موجودة .
فإذن لابدّ وأن يكون وجوده مستفاداً من غيره ، وكلّ ما وجوده مستفاد من غيره كان وجوده مسبوقاً بغيره بالذات ، وكلّ ما كان كذلك كان محدثاً
هامش
( 1 ) المباحث المشرقيّة ، مصدر سابق : ج 1 ص 134 .