قد تحقَّق في ما تقدّمَ من مباحثِ القدمِ والحدوثِ ، أنّ كلَّ ماهيّةٍ ممكنةٍ موجودةٍ ، مسبوقةُ الوجودِ بعدمٍ ذاتيٍّ ، فهي حادثةٌ حدوثاً ذاتيّاً ، والعدمُ السابقُ على وجودِها بحدِّه ، منتزعٌ عن علّتِها الموجدةِ لها ، فهي مسبوقةُ الوجودِ بوجودِ علّتِها ، متأخّرةٌ عنها .
وإذ كان المبدأُ الأوّلُ لكلِّ وجودٍ إمكانيٍّ سواءٌ كان مادّياً أو مجرّداً ، عقليّاً أو غيرَ عقليٍّ هو الواجبَ لذاتِه تعالى ، فكلُّ ممكنٍ موجودٍ حادثٍ ذاتاً مسبوقٌ بالنسبةِ إليه ، ومجموعُ الممكناتِ المسمّى بعالمِ الإمكانِ وبما سوَى الباري تعالى ليس شيئاً وراءَ أجزائِه ، فحكمُه
حكمُ أجزائِه ، فالعالمُ بجميعِ أجزائِه حادثٌ ذاتاً ، مسبوقُ الوجودِ بوجودِ الواجبِ لذاتِه .
ثمّ إنّا لو أغمضْنا عن الماهيّاتِ ، وقصرْنا النظرَ في الوجودِ بما أنّه الحقيقةُ الأصيلةُ ، وجدنَا الوجودَ منقسماً إلى : واجبٍ لذاتِه ، قائمٍ بذاتِه ، مستقلٍّ في تحقّقِه وثبوتِه ، وممكنٍ موجودٍ في غيرِه ، رابطٍ قائمٍ بغيرِه الذي هو الواجبُ ، فكان كلُّ وجودٍ إمكانيٍّ مسبوقاً بالوجودِ الواجبيِّ ، حادثاً هذا النحوَ من الحدوثِ . وحكمُ مجموعِ الوجوداتِ الإمكانيّةِ حكمُ أجزائِه ، فالمجموعُ حادثٌ بحدوثِها .
ثمّ إنّ لعالمِ المادّةِ والطبيعةِ حدوثاً آخرَ يخصُّه ، وهو الحدوثُ الزمانيُّ ، تقريرُه : أنّه قد تقدّمَ في مباحثِ القوّةِ والفعلِ أنّ عالمَ المادّةِ متحرّكٌ بجوهرِه وما يلحقُ به مِن الأعراضِ ، سيّالٌ وجوداً ، متجدّدٌ بالهويّة ، سالكٌ بذاتِه من النقصِ إلى الكمال ، متحوّلٌ مِن القوّةِ إلى
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص ) — صفحة 407
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٠٧