ولا بعده فلأنّ الأشرف مجرّد تامّ يكفي إمكانه الذاتي في وقوعه ، فلو لم يصدر الأشرف من الواجب تعالى ، فهذا يعني أنّه يستدعي علّة أعلى وجوداً وأشرف من الواجب تعالى وهو محال ، لما تقدّم من أنّ الواجب تعالى فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى .
وإذا بطل التالي وهو هذه الاحتمالات الثلاثة فيبطل المقدّم وهو أنّ الأشرف لا يوجد قبل الأخسّ ، فيثبت المدّعى وهو أنّ الأشرف يوجد قبل الأخسّ .
البرهان الثاني
ذكر المصنّف هذا الاستدلال في تعليقته على الأسفار ، إلّا أنّه ذكره هنا بشكل مجمل ، ومن المقدّمات التي اعتمد عليها هذا الاستدلال مقدّمات عامّة ، تقدّم الكلام عنها في الأبحاث السابقة ، وهي ما يلي :
الأولى : الوجود حقيقة مشكّكة . وهذا ما أشرنا إليه في الفصل الأوّل من هذه المرحلة ، وتبيّن أنّ الوجود حقيقة مشكّكة بالتشكيك الخاصّي .
الثانية : أنّ التشكيك مآله إلى العلّية والمعلوليّة .
الثالثة : أنّ مآل العلّية والمعلوليّة على مبنى الحكمة المتعالية ، هو إلى كون الوجود مستقلًّا أو رابطاً متقوّماً .
الرابعة : عالم المادّة لا يمكن أن يصدر من الواجب مباشرةً ، وهذه مبتنية على قاعدة الواحد ، وأنّه يستحيل أن يصدر الكثير من الواحد مباشرة . وعلى هذا الأساس لابدّ أن تكون مراتب الوجود على أقلّ تقدير ثلاث : مرتبة الواجب تعالى ، ومرتبة عالم المادّة ، ومرتبة الواسطة بين عالم المادّة وبينه تعالى .
وإذا تبيّنت هذه المقدّمات يتّضح وجوب وجود الأشرف قبل الأخسّ وأنّه علّة للأخسّ ، لما تقدّم من المقدّمات من أنّ مرجع الشرافة والخسّة إلى العلّية والمعلوليّة ، وبذلك يلزم أن يكون الأخسّ معلولًا متقوّماً ورابطاً للأشرف ، وإلّا أي لو لم يكن الأشرف قبل الأخسّ للزم أن يكون الأخسّ